برحيل عبد السلام الطويل… طنجة تودع “القلم الحافي” وتواجه سؤالها الثقافي المؤجل..
بقلم : الحداد حسن المنزلي
بكثير من الحزن والأسى، ودّعت طنجة اليوم واحدا من أبنائها البررة، الكاتب والروائي والقاص والمفكر عبد السلام الطويل، الذي رحل بعد مسار طويل من المعاناة الإنسانية والصمود الفكري، تاركا وراءه إرثا أدبيا وفكريا يستحق أن يقرأ ويدرس وينصف.
برحيل عبد السلام الطويل، لا تفقد طنجة مجرد اسم من الأسماء الثقافية، بل تفقد صوتا فكريا وأدبيا ظل وفيا للكتابة رغم قساوة الحياة، وظل مؤمنا بأن القلم يمكن أن يكون موقفا، وأن الكتابة يمكن أن تكون شكلا من أشكال المقاومة.
عبد السلام الطويل لم يكن كاتبا عاديا. كان قاصا وروائيا ومترجما ومفكرا من العيار الثقيل، بصم المشهد الثقافي المغربي بأعمال جمعت بين الأدب والفلسفة والنقد والتأمل. من “مدائن الشمس” إلى “أكاديمية أرخميدس”، ومن “اختطاف الغابة” إلى “أوقات مكتظة”، ومن “أركان الخديعة” إلى “زمن مغلق كبريد الأحد”، ظل الرجل يكتب خارج السائد، ويؤسس لمسار أدبي خاص به، بعيدا عن الأضواء والصخب.
لم تكن حياة الراحل سهلة. على العكس، كانت مليئة بالمنحدرات القاسية. عرف التشريد، وضياع البيت، وسرقة الحقوق، والخذلان، والمرض، وعانى طويلا مع داء السكري وما ترتب عنه من مضاعفات صحية قاسية، فضلا عن معاناة مؤلمة مع واقع الصحة العمومية. لكنه، رغم كل ذلك، لم يستسلم. ظل وفيا للقلم، وكأن الكتابة كانت طريقه الوحيد لمقاومة الانكسار.
هنا تكمن قوة عبد السلام الطويل. لم يكتب من برج عاجي، بل كتب من قلب المعاناة. كانت كتاباته صادقة، حادة، وعميقة، لا تبحث عن التصفيق بقدر ما تبحث عن مساءلة الواقع والإنسان والمجتمع. لهذا السبب ظلت نصوصه عصية على الاستهلاك السريع، وقريبة من القراء الذين يبحثون عن المعنى لا عن الضجيج.
لكن رحيل عبد السلام الطويل يفتح أيضا سؤالا ثقافيا مؤلما داخل طنجة: كيف لمدينة أنجبت أسماء وازنة في الأدب والفكر أن تعجز عن الإنصاف الثقافي تجاه كثير من رموزها؟
المفارقة واضحة وموجعة. طنجة التي تتغنى كثيرا برموز ثقافية معينة، لم تمنح دائمًا الاهتمام نفسه لأقلام أخرى لا تقل قيمة وعمقا. وكأن المشهد الثقافي أصبح، في كثير من الأحيان، يخضع لمنطق الانتقائية، حيث يحظى الضجيج بالنصيب الأكبر من الضوء، بينما تبقى أسماء كبيرة في الظل، رغم ما قدمته من إنتاج جاد ورصين.
المشكل ليس في الاحتفاء برمز دون آخر، بل في غياب التوازن والإنصاف الثقافي. فمدينة بحجم طنجة، بتاريخها ورمزيتها، مطالبة بأن تصون ذاكرتها الثقافية كاملة، لا أن تختزلها في أسماء محددة أو لحظات بعينها.
اليوم، تودع طنجة عبد السلام الطويل، أو كما يمكن أن نسميه بحق: “القلم الحافي”. كاتب عاش هشاشة الحياة بكل تفاصيلها، لكنه ظل متشبثا بالقلم الجاد حتى آخر الطريق.
الرسالة اليوم واضحة: تكريم المبدعين الحقيقيين لا يجب أن يبدأ بعد رحيلهم. المدن التي لا تعترف بأقلامها الجادة في حياتهم، ولا توفر لهم الحد الأدنى من الاعتراف والكرامة، تخسر جزءا من روحها وذاكرتها.
رحل عبد السلام الطويل جسدا، لكن كتاباته ستبقى شاهدة على قيمة رجل عاش بصمت، وكتب بصدق، ورحل تاركا سؤالا ثقيلا أمام الجميع: هل ننصف مبدعينا وهم بيننا، أم لا نتذكرهم إلا بعد الرحيل؟


