طنجة الكبرى… حين يصبح العشب الأخضر للفرجة فقط!
بقلم : الحداد حسن المنزلي
مساحات خضراء تروى وتصان بالمال العام، لكن المواطن لا يسمح له دائما باستعمالها
في مدينة مليونية مثل طنجة الكبرى، حيث يزحف الإسمنت سنة بعد أخرى، لم تعد المساحات الخضراء ترفا أو مجرد ديكور حضري. إنها متنفس وحق من حقوق جودة العيش، خصوصا في الصيف، حين تبحث الأسر عن مكان للهواء والظل والراحة.
لكن المفارقة أن طنجة تنجز مساحات خضراء واسعة، وتخصص ميزانيات لصيانتها وسقيها، ثم تضع أمام المواطن لافتة تقول له: ممنوع المشي، ممنوع الجلوس.
فهل أنجزنا ساحة خضراء لكي يستعملها المواطن، أم لكي يراها من بعيد؟
صحيح أن بعض هذه المساحات تسقى بالمياه المعالجة، وهو خيار إيجابي يخفف الضغط على الموارد المائية، لكن المياه المعالجة لا تعني أن السقي بلا كلفة. فهناك الضخ والشبكات والصيانة والتدبير، وهي أعباء تثقل ميزانيات الجهات المكلفة بالتدبير.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل نختار دائما الغطاء النباتي الأقل استهلاكا للماء والأكثر ملاءمة لمناخ طنجة؟ وهل ندير هذه المساحات بمنطق الاستدامة، أم بمنطق التجميل الحضري فقط؟
المفارقة الأكثر دلالة أن بعض هذه الفضاءات، رغم لافتات المنع، تتحول من غروب الشمس إلى ساعات متأخرة من الليل إلى وجهة لمئات الأسر، أطفال يركضون فوق العشب، وعائلات تجلس لساعات، وكأن الساكنة تقول عمليا إن هذه الفضاءات لم تخلق لكي تشاهد، بل لكي تستعمل.
إنها رسالة واضحة: المنع موجود على اللوحات، لكن الحاجة موجودة على ارض الواقع .
ومن هنا يأتي دور الحكامة. فالاستجابة للمطلب البيئي لا تكون بمجرد زرع العشب الأخضر، وكأننا بذلك وضعنا «الرماد على عيون الحركة البيئية». المدينة المستدامة ليست التي تملك عشبا أكثر في الصور، بل التي توفر للإنسان فضاءا أخضر قريبا، قابلا للاستعمال، ومستداما وأقل كلفة.
نحن ما زلنا بعيدين عن تصور متكامل لحق الفرد في مساحة خضراء داخل المجال الحضري. ولذلك تحتاج الجهات الوصية والسلطات المفوضة إلى إعادة النظر في طريقة تدبير هذه الفضاءات، بمنطق التطوير و الابتكار والشفافية والاستدامة وترشيد الميزانية.
لماذا لا تخصص مناطق محمية للحفاظ على الغطاء النباتي، وأخرى مفتوحة للجلوس واللعب؟ ولماذا لا يتم توسيع استعمال النباتات والأغطية الأقل استهلاكا للماء، مع تجهيز الحدائق بالمقاعد والمظلات ومسارات المشي وألعاب الأطفال؟
المشكلة ليست في العشب الأخضر، بل في الفلسفة التي تحكم وجوده.
فإذا كنا ننفق المال العام على إنشائه وسقيه وصيانته، فمن حق المواطن أن يسأل: لمن صمم؟ ومن يحق له استعماله؟ وهل اخترنا النموذج الأكثر استدامة والأقل كلفة؟
لا نحتاج إلى مدينة خضراء للفرجة والتصوير فقط، بل إلى مدينة يستفيد الإنسان من خضرتها.
فالمدينة التي تبنى للإنسان تنشئ الساحات الخضراء لكي تستعمل، لا لكي يمنع عنها الإنسان.


