حين تصمت قاعات الأفراح… ماذا تغير في المجتمع المغربي؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
ما وراء ركود الأعراس… قراءة في التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أعادت تشكيل نظرة الشباب المغربي إلى الزواج.
تناولت وسائل إعلام محلية و وطنية خلال الأيام الماضية خبر الركود غير المسبوق الذي يعيشه قطاع قاعات الحفلات، بعد شكاوى المهنيين من تراجع الحجوزات في موسم كان يفترض أن يكون ذروة نشاطهم. وفي خطنا التحريري لا نكتفي بمتابعة الخبر، بل نحاول فهم ما يقوله الخبر عن المجتمع. لذلك، لا تبدو القاعات الفارغة مجرد أزمة يعيشها قطاع اقتصادي، بل مؤشرا على تحولات عميقة مست علاقة المغاربة، وخاصة الشباب، بمؤسسة الزواج.
لا أحد ينكر أن العامل الاقتصادي حاضر بقوة. فغلاء السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وهشاشة سوق الشغل، وضعف القدرة الشرائية، إلى جانب المبالغة في مصاريف الأعراس وظهور عادات استهلاكية دخيلة، جعلت الزواج بالنسبة لكثير من الشباب مشروعا مؤجلا أو حلما يصعب تحقيقه.
غير أن الاقتصاد وحده لا يفسر كل شيء. فقد كشفت نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، أن أكثر من نصف العزاب بالمغرب لا يرغبون في الزواج، وهو ما يؤكد أننا أمام تحول بنيوي في القيم وأنماط العيش، لا مجرد أزمة ظرفية.
لقد تغير مفهوم الزواج نفسه. فجيل Z ينظر إلى الحياة بأولويات مختلفة؛ الدراسة،الصحة، والاستقرار المهني، والسفر، وتحقيق الذات، والاستقلال الشخصي أصبحت تسبق فكرة تأسيس الأسرة. كما أن الاستقلال الاقتصادي للمرأة، وتغير الأدوار داخل الأسرة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي رفعت سقف التوقعات، كلها عوامل أعادت تشكيل نظرة الشباب إلى مؤسسة الزواج.
ولا يمكن إغفال الأثر النفسي لارتفاع حالات الطلاق. فكل تجربة زواج تنتهي بالفشل لا تخص أصحابها وحدهم، بل تترك أثرا في محيطهم الاجتماعي. والشباب الذين يشاهدون تلك التجارب، أو يتابعونها يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصبحون أكثر ترددا في الإقدام على الزواج، ليس رفضا لمؤسسة الأسرة، بل خوفا من تكرار المصير نفسه. فالمجتمعات لا تقاس فقط بعدد عقود الزواج التي تبرم كل سنة، بل أيضا بدرجة الثقة في مؤسسة الزواج. وعندما تتراجع هذه الثقة، لا تنخفض أرقام الزواج فحسب، بل يتغير تصور جيل كامل لمعنى تكوين الأسرة.
ولا يمكن تجاهل تأثير مغاربة العالم. فبينما كان الجيل الأول يعود إلى المغرب للزواج وقضاء العطلة وسط العائلة، أصبح عدد متزايد من أبناء وأحفاد الجالية يختارون شريك الحياة في بلدان الإقامة، كما تغيرت عاداتهم الاجتماعية والسياحية، وأصبحت صلة الرحم في كثير من الاحيان تمر عبر الشاشات أكثر مما تعاش على أرض الواقع، وهو ما قلص بدوره عددا من الأعراس التي كانت تنعش الموسم الصيفي بالمغرب.
إن القاعات الفارغة ليست أصل الأزمة، بل مرآتها. فإذا كان المهنيون يطالبون بدعم قطاعهم، فإن المجتمع يحتاج قبل ذلك إلى سياسات تعزز الاندماج الاجتماعي، وتوفر شغلا مستقرا، وسكنا ميسرا، وأجورا تحفظ الكرامة، مع إعادة الاعتبار لثقافة الزواج البسيط بعيدا عن سباق المظاهر. فحين تصبح كلفة ليلة زفاف واحدة أكبر من كلفة بناء مستقبل أسرة، فإن المشكلة لا تكون في قاعات الأفراح، بل في التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، والتي تستحق نقاشا وطنيا هادئا ومسؤولا.



