مئة يوم من إضراب المحامين… متى تصبح المعركة أكبر من أصحابها؟
الحداد حسن المنزلي
حين تطول المواجهة بين مهنة الدفاع والجهة الحكومية المشرفة على إصلاح العدالة، يصبح السؤال أكبر من الخلاف حول قانون: من يدفع ثمن استمرار الأزمة؟
حين تتوقف مهنة الدفاع احتجاجا على قانون، لا يتوقف معها الخلاف فقط… بل تتوقف مصالح مواطنين، وتتراكم الملفات، ويطرح سؤال أكبر: من يدفع ثمن استمرار المواجهة؟
مئة يوم.
هذا الرقم لا يمثل مجرد احتجاج، بل يعكس حجم المطالب التي تقف وراءه.
مئة يوم من التوتر بين المحامين والسلطة الحكومية المعنية بإصلاح منظومة العدالة، في مواجهة ارتبطت أساسا بمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي مر من المسار البرلماني قبل أن يحال إلى المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته للدستور.
لكن بعد مئة يوم، ربما آن الأوان لطرح السؤال من زاوية مختلفة تماما:
ماذا ترك هذا الإضراب في المجتمع؟
ليس السؤال: من معه الحق؟
ولا: من انتصر؟
ولا حتى: من كان أكثر صلابة؟
السؤال الذي يعنينا هو:
ماذا حدث للعدالة نفسها؟
المتقاضي… الحلقة التي لا تملك حق الإضراب
المحامي يستطيع أن يحتج.
والحكومة تستطيع أن تتمسك بمشروع قانون.
والبرلمان يستطيع أن يناقش ويصوت.
والمحكمة الدستورية تستطيع أن تقول كلمتها في حدود اختصاصها.
لكن المتقاضي؟
المواطن الذي ينتظر حكما، أو يلاحق ملفا، أو يريد تسجيل دعوى، أو ينتظر دفاعا في قضية قد تكون بالنسبة إليه أهم قضية في حياته، لا يملك ترف الانتظار إلى ما لا نهاية.
هنا تبدأ المساءلة الحقيقية.
لأن العدالة ليست مجرد نصوص ومؤسسات وقاعات وجلسات.
العدالة أيضا زمن.
وكل يوم إضافي في مسار قضائي متعطل قد يعني بالنسبة إلى مواطن أجرة إضافية، أو سفرا إضافيا، أو خسارة مالية، أو تأخيرا في حق، أو استمرارا في وضع قانوني لا يعرف متى ينتهي.
وقد رافق الإضراب والتوقف عن العمل بالمحاكم أثر مباشر على سير عدد من الإجراءات والملفات، في وقت استمرت فيه الأزمة رغم إحالة مشروع القانون إلى المحكمة الدستورية.
وماذا عن المحاكم؟
المحكمة ليست جزيرة معزولة.
القاضي لا يعمل وحده، والكاتب لا يعمل وحده، والمحامي ليس عنصرا هامشيا في المنظومة.
إنها سلسلة واحدة.
وحين تتعطل حلقة أساسية من السلسلة، فإن أثر التعطيل لا يبقى داخل المهنة التي أعلنت الاحتجاج، بل يمتد إلى باقي مكونات العدالة.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف:
كيف نريد تسريع العدالة وإصلاحها، بينما تجد المنظومة نفسها أمام تراكم جديد من الملفات والتأجيلات بسبب أزمة ممتدة بين مكونات العدالة؟
الإصلاح يحتاج إلى مؤسسات قوية.
لكن المؤسسات القوية تحتاج أيضا إلى القدرة على الاستمرار في أداء وظائفها حتى في لحظات الخلاف.
الدفاع عن استقلال المهنة… ومصلحة المتقاضي
لنكن واضحين.
لا أحد يجادل في أهمية استقلال مهنة المحاماة.
ولا أحد ينبغي أن يستخف بمخاوف المحامين بشأن مستقبل مهنتهم، أو باستقلاليتها، أو بالضمانات التي يعتبرونها ضرورية لممارسة الدفاع.
والمحامي ليس مجرد شخص يقف أمام القاضي.
إنه جزء من ضمانات المحاكمة العادلة.
لكن استقلال المهنة لا ينبغي أن يتحول، في لحظة من اللحظات، إلى مواجهة تجعل المواطن يدفع ثمن الخلاف.
وفي المقابل، لا يمكن أن تتحول رغبة الدولة في إصلاح التشريع إلى مبرر لتجاوز مخاوف مهنة يفترض أنها إحدى ركائز العدالة.
بمعنى آخر:
المطلوب ليس أن ينتصر المحامون على الحكومة، ولا أن تنتصر الحكومة على المحامين. المطلوب أن تنتصر العدالة على الأزمة.
مفارقة «طارت معزة»
هناك تعبير شعبي مغربي ساخر يقول: «طارت معزة».
والمعنى هنا ليس الاستهزاء بالملف، بل الإشارة إلى لحظة يصبح فيها الخلاف أكبر من الهدف الأصلي، فيصبح التراجع صعبا لأن كل طرف بات محاصرا بما قاله وفعله أمام أنصاره.
وهنا يجب أن نسأل:
هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التراجع خطوة سياسية صعبة، رغم أن استمرار الأزمة قد يكون أكثر كلفة على الجميع؟
إذا كان الأمر كذلك، فهذه ليست قوة للمؤسسات.
هذه علامة على أن الحوار لم يكن بالفعالية المطلوبة.
من يدفع فاتورة المئة يوم؟
المحامي قد يخسر جزءا من دخله.
والدولة قد تتحمل كلفة تدبير أزمة طويلة.
والمحاكم قد تتحمل ضغطا إضافيا بعد عودة العمل.
لكن المواطن هو الذي قد يدفع الفاتورة الأكبر.
لأنه لا يملك هيئة مهنية تدافع عنه في التفاوض.
ولا يملك منصة احتجاجية.
ولا يملك مشروع قانون يضغط به.
إنه فقط يريد شيئا بسيطا في الظاهر وعظيما في الواقع:
أن يصل إلى العدالة في وقت معقول.
وهنا يصبح السؤال مشروعا:
إذا كانت الغاية من كل الإصلاحات هي خدمة المواطن، فهل يمكن أن يستمر نزاع مؤسساتي طويلا من دون أن تصبح حماية مصالح المواطن نفسها جزءا من معادلة التفاوض؟
وماذا عن سمعة البلد؟
هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله.
المغرب يقدم نفسه، بحق، باعتباره دولة مؤسسات، ويجعل إصلاح العدالة وتعزيز الاستثمار وترسيخ الثقة في المؤسسات جزءا من مشروعه التنموي.
والعدالة ليست شأنا داخليا فقط.
المستثمر ينظر إلى القضاء.
والمواطن ينظر إلى القضاء.
والشركات تنظر إلى القضاء.
والشريك الدولي ينظر إلى القضاء.
وحين تظهر أزمة طويلة بين مهنة الدفاع والسلطة التنفيذية حول قانون ينظم إحدى أهم المهن المرتبطة بالعدالة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن انتصر في الداخل.
بل يتعلق أيضا بالصورة التي تصل إلى الخارج:
هل مؤسساتنا قادرة على إدارة خلافاتها دون أن تدفع العدالة نفسها الثمن؟
المئة يوم يجب أن تكون محطة مراجعة لا محطة عناد
ربما تكون أعظم فائدة يمكن استخلاصها من هذه الأزمة هي أن المئة يوم لا ينبغي أن تكون مناسبة لرفع سقف التحدي من جديد.
بل فرصة لخفضه.
الإحالة على المحكمة الدستورية فتحت بابا مؤسساتيا ينبغي احترامه وانتظار مخرجاته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق كل طرف في التعبير عن موقفه والدفاع عن مصالحه المهنية.
فالخلاف القانوني يمكن أن يحسم بالقانون.
والخلاف المهني يمكن أن يدار بالحوار.
والخلاف المؤسساتي يجب أن يجد طريقه داخل المؤسسات.
لكن ما لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة تفاوض هو حق المواطن في الولوج إلى العدالة.
بعد مئة يوم، لم يعد السؤال فقط:
هل كان إضراب المحامين مشروعا؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا:
هل كان استمرار الإضراب بهذه الصورة، طوال هذه المدة، هو الوسيلة الأكثر خدمة لمصلحة العدالة والمتقاضين؟
والسؤال نفسه يجب أن يوجه إلى الدولة:
هل كان الحوار سريعا بما يكفي؟ وهل كان بالإمكان الوصول إلى هذه المرحلة من الأزمة أصلا؟
المساءلة هنا يجب أن تكون مزدوجة.
لا نريد محاكمة المحامين.
ولا نريد محاكمة الحكومة.
نريد محاكمة طريقة إدارة الأزمة.
لأن الدولة التي تحترم مهنة الدفاع لا تخشى الحوار معها.
ومهنة الدفاع التي تدافع عن حقوق المواطنين لا يمكن أن تغفل، حتى وهي تحتج، أن هناك مواطنين عالقين خلف أبواب المحاكم.
مئة يوم… ولكن بأي كلفة؟
مئة يوم كافية لكي يتوقف الجميع لحظة.
ولفهم دلالة هذا الرقم، فإن مئة يوم لا تعني مجرد رقم في مسار الاحتجاج، بل هي مجموع أيام التوقف عن العمل داخل المحاكم، التي خاضتها هيئة المحامين احتجاجا، منذ انطلاق معركة إصلاح المنظومة.
ومئة يوم هنا ليست مجرد رقم؛ إنها حصيلة أيام التوقف عن العمل داخل المحاكم، التي خاضتها هيئة المحامين احتجاجا منذ انطلاق معركة إصلاح المنظومة، بما يجعل الرقم في حد ذاته جزءا من قصة الاحتجاج.
ليس للتراجع عن المواقف، ولا للتنازل عن الحقوق، ولا لإعلان منتصر ومهزوم.
بل للتذكير بأن العدالة ليست ملكا للمحامين، ولا للحكومة، ولا للقضاة وحدهم.
العدالة ملك للمواطن.
وإذا كان الجميع يتحدث باسمها، فمن حق المواطن أن يسأل الجميع:
متى تنتهي المعركة التي لا ينبغي أن يكون هو ضحيتها؟
ففي النهاية، قد تنتصر هذه الجهة أو تلك في معركة قانونية أو مهنية.
لكن إذا خرج المتقاضي من الأزمة وهو أكثر تأخرا، وأقل ثقة، وأكثر كلفة، فسيكون السؤال المؤلم:
ماذا ربحنا جميعا، إذا كانت العدالة هي التي دفعت الثمن؟



