زيتوننا تحت المجهر الأوروبي… فمن يضع غذاء المغاربة تحت المجهر؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
إخطاران بشأن شحنتين من الزيتون المغربي يفتحان سؤالا أكبر: هل نراقب غذاء المستهلك المغربي بالصرامة نفسها التي نراقب بها صادراتنا؟
تناقلت وسائل الإعلام خبرا عن رصد السلطات الأوروبية نسبا مرتفعة من الرصاص في شحنتين منفصلتين من الزيتون الأخضر المغربي منزوع النوى، خلال أشهر قليلة. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، وجود خلل في مجموع صادرات الزيتون المغربي، فالأمر يتعلق بشحنتين محددتين، كما أن أنظمة السلامة الأوروبية تعتمد قواعد صارمة لرصد الملوثات الغذائية.
لكننا، في خطنا التحريري، لا نتابع الخبر من أجل إعادة نشره فقط، بل نحاول التقاط ما وراءه من رسائل تنبيه وتحسيس، دفاعا عن حق المستهلك في غذاء سليم وآمن.
السؤال هنا ليس لماذا رفضت أوروبا شحنة مغربية، بل سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا عن الغذاء الذي يباع ويستهلك داخل السوق الوطنية؟
المغرب يتوفر على منظومة قانونية ومؤسساتية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وتقوم الجهات المختصة بالمراقبة وأخذ العينات وتتبع المنتجات. لكن التحدي الحقيقي يبقى في ضمان رقابة فعالة ومنتظمة، وتتبع رقمي يمتد من الحقل إلى المستهلك، خصوصا في الأسواق التي يصعب فيها أحيانا معرفة مصدر المنتج ومساره.
فالمفارقة تستحق التأمل: عندما يتجه المنتج المغربي إلى أوروبا، يمر عبر منظومة صارمة من المعايير والاختبارات والتتبع. وعندما يبقى المنتج داخل السوق الوطنية، فإن المواطن من حقه أن يسأل: هل يحصل على المستوى نفسه من الحماية؟
وتكتسب المسألة أهمية أكبر عندما نتذكر ملاحظات وتقارير مؤسسات الرقابة الوطنية حول اختلالات عرفتها، في فترات مختلفة، بعض مسالك إنتاج وتسويق المنتجات الغذائية، إلى جانب ما كشفه مجلس المنافسة من تعقيدات في سلاسل توزيع المنتجات الفلاحية وتعدد الوسطاء وضعف شفافية بعض المسالك.
ولا يتعلق الأمر بالزيتون وحده. فالغذاء الذي يصل إلى موائد المغاربة يشمل اللحوم والحليب والخضر والفواكه والأسماك وغيرها. وكل خلل في سلامة الغذاء قد يتحول في النهاية إلى كلفة صحية واجتماعية، بينما نعرف جميعا حجم الضغط الذي يواجهه قطاع الصحة.
الفم أصل كثير من الأمراض، وما يدخل أجسادنا كل يوم قد يكون جزءا من قصة الصحة العامة قبل أن تبدأ رحلة المريض إلى المستشفى.
لذلك، فإن المطلوب ليس رقابة من أجل أوروبا فقط، ولا حماية لسمعة صادراتنا في الأسواق الخارجية فحسب، بل حماية أولا للمستهلك المغربي. والرقمنة، وتشديد التتبع، وتقوية المختبرات، وربط المنتج بمصدره منذ الحقل إلى نقطة البيع، ليست ترفا إداريا، بل أدوات أساسية لحماية صحة المواطن.
إن سلامة الغذاء ليست امتيازا للمنتج الذي يعبر الحدود، ولا شهادة جودة نحتاجها فقط عندما نريد التصدير. إنها حق للمغربي أينما اشترى غذاءه، في المتجر أو السوق اليومية أو السوق الأسبوعية.
ومن هنا تأتي رسالتنا: لا نريد التخويف من غذائنا، ولا التشكيك في الفلاح أو المنتج المغربي، بل نريد منظومة تجعل المواطن مطمئنا إلى ما يضعه في طبقه.
المطلوب رقابة من أجل الإنسان المغربي، قبل أن تكون رقابة من أجل الأسواق الخارجية.



