من الدواوير إلى سبتة … هل أصبح الاحتجاج لغة البحث عن الكرامة؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
حين تتعدد أشكال الاحتجاج، يبقى السؤال واحدا: هل وصلت المؤسسات إلى المواطن بالسرعة نفسها التي وصل بها المغرب إلى إنجازاته الكبرى؟
رحم الله كل شاب ” ة” فقد حياته وهو يحاول العبور نحو سبتة المحتلة، ورحم الله كل أسرة دفعت ثمن حلم انتهى عند حدود البحر. فكل روح تفقد هي خسارة للوطن قبل أن تكون رقما في نشرات الأخبار.
إن مشاهد نزوح الشباب نحو سبتة المحتلة لم تكن مجرد حادث عابر، بل رسالة اجتماعية مؤلمة تستحق التوقف. فالذي يخاطر بحياته لا يبحث عن المغامرة، بل عن أمل يعتقد أنه أصبح بعيد المنال. ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
فبعد خروج جيل Z إلى الشارع مطالبا بحقوق أجمع الجميع على مشروعيتها، وفي مقدمتها التعليم والصحة والكرامة، شهدنا أيضا مسيرات لسكان جماعات ترابية نحو العمالات، واحتجاجات لدواوير تطالب بفك العزلة، وخروج ساكنة مرزوكة دفاعا عن حقوقها، ومناطق لا تزال تعاني العطش رغم وجودها بالقرب من أكبر ميناء على البحر الأبيض المتوسط، وبجوار مشاريع اقتصادية وصناعية كبرى. قد تختلف الوقائع، لكن رسالتها واحدة: المواطن يريد أن يشعر بأن التنمية وصلت إليه، لا أن يقرأ عنها فقط.
ولا أحد يستطيع إنكار ما حققه المغرب خلال العقدين الأخيرين من منجزات استراتيجية جعلته قوة إقليمية صاعدة، ببنيات تحتية حديثة، ومشاريع كبرى، واستثمارات نوعية. غير أن التنمية لا تكتمل عندما يبقى أثرها اليومي ضعيفا في حياة جزء من المواطنين.
ولذلك لا تبدو التقارير الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومجلس المنافسة، ومؤسسة الوسيط، مجرد وثائق إدارية، بل مؤشرات تدعو إلى التوقف. فهي تثير أسئلة حول جودة الخدمات، والعدالة المجالية، والثقة في المؤسسات، والفجوة بين المواطن والإدارة.
ولعل أبلغ تعبير عن هذا التحدي ما جاء في خطاب العرش، حين أكد جلالة الملك محمد السادس أنه “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين.” وهي رسالة تختصر جوهر المرحلة: أن يشعر كل مواطن، أينما كان، بأن التنمية حق مشترك وليست امتيازا جغرافيا أو اجتماعيا.
المفارقة أن أغلب الاحتجاجات اليوم لا تطالب بالمستحيل، بل بأبسط الحقوق: ماء صالح للشرب، طريق، نقل، وثيقة تعمير، جواب عن شكاية، تسوية نزاع، أو فك عزلة. وعندما تتحول هذه المطالب إلى مسيرات نحو العمالات أو إلى احتجاجات متكررة، فإن السؤال لا يجب أن يكون: لماذا خرج المواطن؟ بل: لماذا تأخرنا في الاستماع إليه؟
وتزداد الصورة تعقيدا عندما يشعر المواطن بأن المؤسسات المنتخبة، وهي الأقرب إليه، لم تترك الأثر الملموس الذي ينتظره في النقل، والنظافة، والتعمير، وتبسيط المساطر، وتسريع البت في الشكايات، وتوسيع المجالات الحيوية، وفك النزاعات بين الجماعات السلالية وإدارة المياه والغابات، وفك العزلة عن الدواوير، خصوصا في العالم القروي. كما أن تغليب منطق الولاءات، أو الخلافات الشخصية بين بعض المسؤولين والمنتخبين، أو الحسابات الانتخابية، يجعل المواطن هو الخاسر الأول.
لكن النقد المسؤول يفرض أيضا قدرا من النقد الذاتي. فالإصلاح ليس مسؤولية الدولة وحدها، ولا مسؤولية المنتخب وحده، بل مسؤولية جماعية قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار.
إن إعادة ترتيب الأولويات أصبحت ضرورة وطنية. فالبرامج التنمية الترابية المندمجة ينبغي أن تنطلق من الأسئلة التي يطرحها الواقع: لماذا خرج جيل Z إلى الشارع؟ ولماذا سار سكان الجماعات الترابية نحو العمالات؟ ولماذا يخاطر بعض شبابنا بحياتهم في اتجاه سبتة المحتلة؟ هذه ليست أحداثا متفرقة، بل مؤشرات ينبغي قراءتها بعين الإصلاح لا بعين التبرير.
ويبقى الفرق كبيرا بين حب الوطن والرضا عن الأداء. صدق من قال : “العام ماشي زين… المغرب لي زين.”
وحب الوطن لا يكون بتجميل الواقع، وإنما بالشجاعة في إصلاحه.
ولعل من أبلغ الرسائل التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية، الآية الكريمة بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الاولى 2017 بالبرلمان المغربي بحضور جلالة الملك محمد السادس: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وليس المقصود مجرد التلاوة، بل ما تحمله من دعوة دائمة إلى حسن الإصغاء، وإعمال العقل، وعدم تجاهل الرسائل التي يبعث بها المجتمع.
فالأوطان لا تبنى بالمشاريع الكبرى وحدها، بل تبنى أيضا بإصغاء صادق لمواطنيها، وعدالة مجالية حقيقية، ومؤسسات تشعر المواطن بأن كرامته وحقوقه ليست مؤجلة إلى إشعار آخر. وعندما يتحول الإصغاء إلى ثقافة، والاستجابة إلى ممارسة، والثقة إلى رصيد مشترك، عندها فقط لن يكون هناك مغرب يسير بسرعتين، بل وطن يسير بأبنائه جميعا في الاتجاه نفسه.



