سبتة… حين كشفت المأساة ما كنا نؤجل الاعتراف به
بقلم : الحداد حسن المنزلي
ليست كل الأزمات مجرد حدث عابر، فبعضها يتحول إلى مرآة تكشف اختلالات المجتمع، وتمنح صناع القرار فرصة نادرة لمراجعة السياسات قبل أن تتكرر المأساة.
يصعب الحديث عن أحداث النزوح الجماعي نحو سبتة دون استحضار ما رافقها من مآس إنسانية وآلام وخسائر في الأرواح. فكل روح تفقد هي خسارة للوطن ولأسرة ولمستقبل كان يمكن أن يكون مختلفا. لكن احترام الضحايا لا يعني أن نتوقف عند الحزن، بل يفرض علينا أن نحول المأساة إلى لحظة للتفكير واستخلاص الدروس.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل أزمة هو أن نتعامل معها كأنها انتهت بانتهاء الحدث. فالأزمات لا تنتهي عندما يعود الهدوء، بل عندما نفهم أسبابها ونعالج جذورها.
النزوح انتهى… لكن الأسئلة بدأت
الجميع تابع مشاهد آلاف الشباب وهم يتجهون نحو سبتة، لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث؟
السؤال الأهم هو: ماذا كشف هذا الحدث؟
لقد كشف أن الهجرة غير النظامية ليست مجرد قرار فردي، بل نتيجة تفاعل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية، يغذيها الإحباط أحيانا، وتغذيها أيضا أوهام يصنعها بعض المحتوى المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعرض الضفة الأخرى وكأنها طريق سريع نحو النجاح، بينما تخفي المخاطر الحقيقية التي قد تنتهي بالموت أو الاستغلال أو الضياع.
لقد سقطت، أمام أعين الجميع، الصورة الرومانسية للهجرة باعتبارها “جنة موعودة”. وبدا واضحا أن كثيرا من الأحلام التي تباع للشباب لا تصمد أمام الواقع.
ما الذي ربحناه من هذه الأزمة؟
قد يبدو السؤال قاسيا، لكنه سؤال ضروري.
ليس المقصود أن في المأساة ربحا، بل أن نمنع ضياع الدروس التي كشفتها.
أول هذه الدروس أن شبكات الاتجار بالبشر لا تتغذى على الفقر وحده، بل على اليأس. وكلما ضعف الأمل، ازداد نفوذ هذه الشبكات التي تحول الإنسان إلى سلعة.
وثانيها أن الفضاء الرقمي أصبح جزءا من معركة الهجرة غير النظامية. فكم من إشاعة، أو فيديو مضلل، أو دعوة مجهولة المصدر، كانت كافية لدفع آلاف الشباب إلى اتخاذ قرارات مصيرية في ساعات قليلة. لذلك أصبحت مواجهة التضليل الرقمي جزءا من حماية الأرواح، لا مجرد قضية إعلامية.
أما الدرس الثالث فهو أن مثل هذه الأحداث تستوجب تقييما مؤسساتيا شاملا لما كشفت عنه من تحديات أمنية وإنسانية، بما في ذلك أوضاع شبكات الهجرة غير النظامية وتحركاتها، بعيدا عن الانطباعات والأحكام المسبقة، وبالاستناد إلى المعطيات التي تثبتها الجهات المختصة.
الحدود لا تعالج الأسباب:
يمكن تعزيز المراقبة، وتشديد الإجراءات، وتفكيك الشبكات الإجرامية، وكل ذلك ضروري.
لكن الحدود لا تستطيع وحدها أن توقف فكرة استقرت في عقل شاب فقد الثقة في المستقبل.
فالهجرة ليست السبب، بل النتيجة.
والنتائج لا تعالج وحدها، بل بمعالجة أسبابها.
وهنا يصبح الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، في التعليم، والتكوين، وفرص الشغل، والعدالة المجالية، وربط التنمية بحاجات المواطنين لا بالأرقام وحدها.
الثقة… الحلقة التي لا يجوز إهمالها.
من بين كل الدروس التي كشفتها هذه الأزمة، يبقى عامل الثقة هو الأكثر حساسية.
فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن جهده يمكن أن يصنع مستقبلا داخل وطنه، يصبح الأمل أقوى من المغامرة.
وحين يشعر بأن التنمية تنعكس على حياته اليومية، تتحول الهجرة من حلم جماعي إلى خيار فردي، لا إلى قدر يطارد الجميع.
فإن حب الوطن لا يعني الرضا عن كل السياسات، كما أن نقد الاختلالات لا يعني التشكيك في الوطن. فالناقد الموضوعي، والمحلل العقلاني، لا ينبغي أن يقابل بالتخوين أو التشكيك في وطنيته، لأن الذي يدفعه إلى النقد في كثير من الأحيان هو غيرته على وطنه وإيمانه بقدرته على أن يكون أفضل.
وفي مثل هذه اللحظات، تحتاج الدول إلى أن تنصت لأصحاب الرأي والخبرة والحكمة، وإلى النقد المسؤول الذي يكشف مواطن الخلل، أكثر مما تحتاج إلى أصوات تكتفي بترديد أن “كل شيء على ما يرام”. فالإصلاح يبدأ بالاعتراف، والتقويم يبدأ بالاستماع، والإنكار لا يصنع مستقبلا.
بل إن كشف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هو أول شروط الإصلاح.
تقف بلادنا اليوم أمام خيارين.
إما أن نتعامل مع ما وقع باعتباره حادثا استثنائيا انتهى بانتهاء أيامه، فنعود إلى انتظار الأزمة المقبلة.
وإما أن نعتبره لحظة مراجعة وطنية صادقة، نسأل فيها: لماذا وصل بعض شبابنا إلى هذا الحد؟ وكيف نجعل الأمل في الوطن أقوى من وهم الضفة الأخرى؟
الفرق بين الخيارين ليس في عدد الحواجز الأمنية، بل في نوعية السياسات التي تبني الإنسان قبل أن تحمي الحدود.
أن الإصلاح لا يبنى بالصمت، ولا بالمزايدة، بل بالنقد المسؤول والاستماع إليه.
قد تستطيع الحدود أن تمنع العبور، لكن لا يمكنها أن تمنع الأحلام.
والأحلام لا تهزم بالحواجز، بل تستبدل بأحلام أجمل يمكن تحقيقها داخل الوطن.
إن المأساة الحقيقية ليست أن يحاول شاب الهجرة، بل أن يقتنع بأن مستقبله لا يمكن أن يوجد إلا خارج بلده.
ولهذا، فإن أفضل وفاء لضحايا هذه الأحداث ليس الاكتفاء برثائهم، وإنما بناء سياسات تجعل الأمل أقوى من اليأس، والثقة أقوى من الإشاعة، والوطن أقوى من وهم الطريق إلى الضفة الأخرى.



