مدرسة القدس والأحذية العسكرية… لا تسقطوا في الفخ
بقلم : الحداد حسن المنزلي
حين يتحول الخبر إلى ورقة في سياق سياسي أوسع.
ليس كل ما يتزامن في التوقيت مرتبطا في الوقائع. وهذا ما يجب استحضاره أمام ملفين ظهرا في ظرف متقارب: قضية مدرسة القدس بطنجة، والتقرير الإسباني حول الأحذية العسكرية التي يصنع جزء منها في طنجة.
مدرسة القدس لها مسارها:
قضية مدرسة القدس توجد في مسارها القضائي، بالتوازي مع البحث الإداري الذي أطلقته وزارة الداخلية عبر لجنة تفتيش مركزية.
إذن، هناك القضاء وهناك البحث الإداري للوزارة، وهما المساران اللذان يجب أن يحددا الوقائع والمسؤوليات. ولا توجد حاجة إلى ربط هذا الملف بتقرير صحفي إسباني لمجرد تقارب التوقيت.
أما الأحذية العسكرية فالقصة مختلفة.
التقرير الإسباني المنشور مؤخرا تناول صفقة لتزويد الجيش الإسباني بالأحذية العسكرية، مع وجود تصنيع في طنجة، وعلاقات تجارية بين الشركة المعنية وشخصيات مرتبطة بمدينة طنجة.
لكن الصفقة ليست اكتشافا جديدا، فقد سبق أن طعنت شركة منافسة في إسنادها أمام الهيئة الإدارية المختصة بالطعون في الصفقات العمومية الإسبانية، وتم رفض الطعن.
لذلك، من حق الصحافة أن تبحث وتطرح الأسئلة، لكن ليس من حقها أن تحول المعطيات المنشورة تلقائيا إلى إدانة أو إلى رابط مع قضية مدرسة القدس.
التوقيت هنا يستحق القراءة
الأهم أن تقرير الأحذية ظهر بعد سلسلة مبادرات سياسية لاحزاب المعارضة الإسبانية تجاه المغرب.
ففي 31 غشت، أعلن الحزبvox رسميا مطالبته بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع المغرب.
وفي البرلمان الإسباني، قدم Vox مبادرة تضمنت الدعوة إلى تعليق المعاهدة، بل والدفع نحو تعليق أو مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية مع المغرب وباقي الاتفاقيات والمساعدات والتفضيلات. وقد رفضت المبادرة في التصويت يوم 16 شتنبر.
ثم جاء تقرير الأحذية العسكرية في 29 شتنبر.
هذا التزامن لا يثبت أن التقرير أُنجز لخدمة حزب أو أجندة سياسية، لكنه يجعل من حق الإعلام أن يسأل عن السياق الذي ظهر فيه، وعن الجهة التي يمكن أن تستفيد سياسيا من إعادة تقديمه بهذه الطريقة.
ولا ننسى حملة مقاطعة المنتجات المغربية
في الوقت نفسه، شهدت منصات التواصل الاجتماعي الإسبانية دعوات لمقاطعة منتجات ذات منشأ مغربي.
وهنا تكتمل الصورة الإعلامية: حملات لمقاطعة المنتجات المغربية، مبادرات سياسية لتعليق اتفاقيات مع المغرب، ثم تقرير عن منتج للجيش الإسباني يصنع جزء منه في طنجة.
لا يعني ذلك أن هذه الملفات مترابطة أو منسقة. لكنه يعني أن الإعلام المغربي مطالب بأن يقرأ التوقيت والسياق قبل أن يعيد نشر الخبر كأنه «تسريب» منفصل عن كل ما يحيط به.
لمن يخدم التقرير؟
العلاقة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا أكبر بكثير من قصة الأحذية العسكرية. إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، والمغرب ثالث شريك تجاري لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، مع حضور واسع للشركات الإسبانية في المغرب.
لذلك، فإن السؤال المهني الذي يستحق أن يطرح هو:
لمن يخدم تقرير الأحذية العسكرية عندما ينتزع من سياقه، ويعاد تقديمه في المغرب كأنه ملف جديد مرتبط بقضية مدرسة القدس؟
السؤال لا يعني اتهام الصحيفة، ولا الدفاع عن أي طرف. إنه فقط دعوة إلى عدم تحويل الإعلام المغربي إلى حلقة في قصة سياسية بدأت في سياق آخر.
لا تسقطوا في الفخ:
مدرسة القدس لها القضاء والبحث الإداري لوزارة الداخلية.
والأحذية العسكرية لها صفقة ومسار تعاقدي ورقابي في إسبانيا.
أما السياق السياسي المحيط بالتقرير، فهو معطى يجب أن يقرأه الصحفي قبل أن ينقل الخبر، لا أن يتجاهله.
لست وكيلا لأحد، ولا محاميا عن أحد، ولا خصما لأحد.
لكنني أقول للإعلام:
انشروا الخبر، دققوا فيه، ضعوه في سياقه، ولا تمنحوا التزامن أكثر مما يحتمل.
فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس نشر خبر صحيح، وإنما أن ينقل الخبر الصحيح بطريقة تخدم رواية لم تثبتها الوقائع.


