المرأة المغربية.. من جامعة القرويين إلى رئاسة الحكومة
بقلم : الحداد حسن المنزلي
كفاح المرأة المغربية عبر القرون.. مسار طويل قاد فاطمة الزهراء المنصوري إلى قيادة السلطة التنفيذية
لم يكن صعود المرأة المغربية إلى أعلى المناصب صدفة سياسية ولا شعارا عابرا، بل حكاية طويلة كتبتها أجيال من النساء بالعلم والتضحية والنضال، وصلت فصلها الأحدث بتعيين امرأة رئيسة للحكومة.
بدأت الحكاية في فاس
في سنة 859م أسست فاطمة الفهري جامعة القرويين، التي تعدّ من أقدم المؤسسات التعليمية في العالم. كانت تلك البذرة الأولى التي رسّخت فكرة أن المرأة قادرة على بناء مؤسسات تعيش لقرون، وأن المعرفة أساس النهضة.
من السياسة إلى ساحات المقاومة،
وفي القرن السادس عشر، برزت السيدة الحرة حاكمة لتطوان وأميرة للجهاد البحري، فمارست الحكم فعليا وأدارت علاقات دولية بندّية. ثم جاء زمن الاستعمار، فحملت نساء السلاح في المقاومة وقدن خلاياها السرية، ومن أبرزهن وحوحى الفيلالية وفاطمة الورديغية اللتان سقطتا شهيدتين.
توقيع في وثيقة الاستقلال،
في 11 يناير 1944، سجّلت مليكة الفاسي اسمها في التاريخ بوصفها المرأة الوحيدة الموقّعة على وثيقة المطالبة بالاستقلال. وبهذا الحضور المبكر والاستثنائي، كسرت جدار الإقصاء في مجتمع تقليدي، ووقفت كتفا بكتف مع رموز الحركة الوطنية، من أمثال المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، لتؤكد أن معركة التحرير والبناء الوطني لم تكن حكرا على الرجال، وأن المرأة كانت شريكة في صناعة فجر الاستقلال والحرية.
سنوات الجمر والفكر،
بعد الاستقلال، دفعت النساء ثمن الحرية أيضا. ففي 1977 استشهدت المناضلة اليسارية والشاعرة سعيدة المنبهي إثر إضراب عن الطعام. وفي الفترة نفسها تقريبا، أطلقت المفكرة فاطمة المرنيسي مؤلفاتها، مثل “الحريم السياسي”، التي فنّدت بالبحث العلمي الأطروحات الذكورية وأعادت قراءة مكانة المرأة في التاريخ السياسي الإسلامي.
وفي سنة 1992 خرجت أول هزة شعبية تقودها النساء من أجل التغيير التشريعي، مع حملة “مليون توقيع” لتعديل قانون الأحوال الشخصية. ومن رحمها انطلقت معركة مدونة الأسرة، وهي تدافع فكري واجتماعي حاد بين التيار المحافظ والحركة النسائية الحداثية، انتهى بمكتسبات قانونية كرّست المواطنة المشتركة والمسؤولية التشاركية داخل الأسرة.
اقتحام دوائر القرار.
وفي سنة 2000، عيّن الملك محمد السادس الراحلة زليخة نصري مستشارة له، فكانت أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى هذا المنصب وتشرف على ملفات اجتماعية وتنموية معقدة. وإلى جانبها برز اسم الراحلة أسية الوديع (ماما أسية)، التي جمعت بين القضاء والمحاماة ووهبت حياتها للدفاع عن كرامة السجناء والأحداث في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
النساء في فضاء الشأن الديني والشرعي
وفي سنة 2003 اعتلت الدكتورة رجاء ناجي مكاوي منبر الدروس الحسنية، فكانت أول امرأة تلقي درسا أمام الملك. وتلتها الدكتورة وداد العيدوني سنة 2015 والقاضية زينب العدوي، لتقتحم النساء فضاء التأطير الشرعي والفقهي. وفي 2018 فُتحت مهنة العدول أمام النساء لأول مرة، بقرار ملكي مستند إلى فتوى المجلس العلمي الأعلى، فانكسر احتكار ذكوري للتوثيق الشرعي دام قرونا.
أما رأس الأحزاب السياسية
في سنة 2012 انتُخبت الأستاذة نبيلة منيب أمينة عامة للحزب الاشتراكي الموحد عقب مؤتمره الوطني، لتكون أول امرأة تقود حزبا سياسيا له وزنه في المغرب، وتفتح بذلك الباب أمام حضور النساء في قيادة التنظيمات الحزبية.
29 سبتمبر 2026.. التتويج
وفي هذا اليوم، عيّن الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلّفها بتشكيلها، طبقا للفصل 47 من الدستور. وهي لحظة تعكس اعترافا مؤسساتيا بمسار نسائي امتد من خنادق المقاومة إلى منابر الفكر والتوثيق، وصولا إلى قمة السلطة التنفيذية.
تدرك الحركة النسائية أن التحدي الأكبر اليوم هو نقل المساواة من النصوص إلى الواقع اليومي، عبر تقليص الفجوة في الأجور، ومناهضة العنف القائم على النوع، وتعزيز التمكين الاقتصادي والتعليمي للمرأة في كل جهات البلاد.
لم يعد إشراك المرأة ديكورا للمشهد السياسي، بل ركيزة في تدبير الدولة ومستقبلها. والرسالة للفتيات المغربيات واضحة: في عهد جلالة الملك محمد السادس، لم يعد هناك منصب مستحيلا أمام عزيمتكن وكفاءتكن.



