من 2008 إلى 2026… هل يكتب حزب ” التراكتور” هويته من جديد؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من «حركة لكل الديمقراطيين» إلى حكومة 2026/2031… هل حان موعد تحديد الهوية؟
منذ ولادته سنة 2008، لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة مجرد حزب جديد، بل جاء امتدادا لفكرة «حركة لكل الديمقراطيين»، القائمة على جمع قوى وتيارات ديمقراطية وحداثية متعددة داخل مشروع سياسي واحد.
ومنذ ذلك التاريخ، بدا مسار «التراكتور» شبيها بنشرة جوية سياسية متقلبة: انتخابات ترفع منسوبه، وأخرى تخفضه، وعواصف داخلية وخارجية، لكنه ظل صامدا في المشهد السياسي.
تصدر انتخابات الجماعات الترابية سنة 2009، قبل أن تأتي سنة 2011، في ظل الربيع العربي وحركة 20 فبراير، ليتراجع إلى المرتبة الرابعة في الانتخابات التشريعية. ثم عرف الحزب صراعات وتيارات داخلية متعددة، ضمت ليبراليين وتقنوقراطيين ويساريين ومعتقلين سابقين و رواد الحركة الطلابية الاوطيمية وصحراويين وأمازيغ وحداثيين، كما شكل حراك الريف والخصومة مع العدالة والتنمية محطات سياسية مؤثرة في مساره.
ومع ذلك، لم يسقط «التراكتور ». ففي انتخابات 2016 احتل المرتبة الثانية بـ102 مقعدا، ثم شارك لأول مرة في الحكومة بعد انتخابات 2021 ضمن الأغلبية الحكومية.
لكن الدخول إلى الحكومة لم يغلق سؤال :
من أنتم ؟، بل أبقاه مفتوحا.
ماذا يجمع كل هذه التيارات والخلفيات داخل مشروع سياسي واحد؟.
انتخابات 23 شتنبر 2026 فتحت صفحة جديدة، فقد تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، وكلفت فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، في لحظة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.
وهنا تبرز فرصة سياسية للحزب كي يجيب، بعد 18 سنة من تأسيسه، عن سؤال ظل حاضرا منذ ولادته: ما هويته السياسية التي يريد أن يثبتها في المرحلة المقبلة؟
كانت «حركة لكل الديمقراطيين» محاولة لتجميع قوى ديمقراطية وحداثية، كما جرت لاحقا محاولات أخرى، من بينها تجربة «G8»، لكنها لم تتحول إلى مشروع سياسي مستقر ودائم.
ويرى أحد رواد الأصالة والمعاصرة أن لحظة تصدر الانتخابات بـ97 مقعدا وتكليف المنصوري بتشكيل الحكومة تتيح للحزب فرصة لنفض الغبار عن ما شاب تاريخه، وترسيخ مشروعية وجوده التي ارتبطت بتحولات المغرب بعد هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 وتقرير الخمسينية سنة 2006، والبحث اليوم عن مشروعية متجددة تعيد وصل الحزب بمساره التأسيسي. إنها، في نظره، لحظة «أن نكون أو لا نكون»، فيما تظل مكونات الكتلة البوصلة الممكنة لهذه المرحلة.
ومن هنا تبرز فرضية سياسية تستحق النقاش:
هل تكون حكومة 2026/2031 لحظة لإعادة جمع مكونات ما يمكن تسميته «الكتلة الوطنية» حول برنامج حكومي واضح، يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية؟
وقد يقول قائل إن «الكتلة» ماتت بموت روادها، لكن الرد داخل الأصالة والمعاصرة يأتي مختصرا: «اللهم العمى ولا العمية». فالمهم ليس أسماء الرواد، بل استمرار الفكرة وقدرتها على التجدد. وكما يقول أحد الباميين: «لا يمكننا أن نستغفل المغاربة»؛ فالتحالف، إن قام، يجب أن يكون على أساس مشروع وبرنامج، لا مجرد جمع للمقاعد.
وقد يقال إن حكومة المنصوري، إذا قامت على هذا التحالف، ستكون أمام أغلبية هشة عدديا، خصوصا في ظل ما أثير سابقا حول انضباط بعض مستشاري ومستشارات الأصالة والمعاصرة في الحضور وتتبع الجلسات. لكن أحد أنصار الحزب يختصر الموقف بالقول: «اللهم أغلبية هشة عدديا، ولا التحالف مع من هب ودب». وهي عبارة تلخص أولوية وضوح الهوية والتعاقد البرنامجي على مجرد استكمال الأرقام.
كما أظهرت منصات التواصل الاجتماعي، عقب نشر صور مرتبطة بالمشاورات التي أجرتها رئيسة الحكومة المكلفة مع بعض الأحزاب، حساسية لدى جزء من الرأي العام، كما أثارت النقاش داخل حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، بشأن طبيعة التحالفات المقبلة ورسائلها السياسية.
لكن الصورة لا تصنع الحكومة. البرنامج هو الذي يصنعها، والانسجام بين مكوناتها هو الذي يختبرها، والنتائج التي تقدمها للمغاربة هي التي تمنحها معناها السياسي.
بعد 18 سنة من العواصف، يبدو «الجرار» أمام اختبار مختلف: الانتقال من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة تثبيت الهوية.
وعلى حد قول بعض الباميين، قد تكون هذه اللحظة هي «اللحظة الحقيقية لاستحضار الضمير» في تشكيل الحكومة، حيث تتقدم قناعة المشروع والهوية على مجرد الحسابات العددية.
فهل تكون حكومة 2026/2031 اللحظة التي يكتب فيها حزب الأصالة والمعاصرة، بقلم من التاريخ ، هويته السياسية التي ظل يبحث عنها منذ ولادته؟


