جمال العسري في «غرفة الفار».. حين يتجاوز الحوار السياسي حدود الاصطفاف.
بقلم : الحداد حسن المنزلي
تفاعل واسع على مواقع التواصل يعيد سؤال «كاين معامن؟» إلى قلب الحملة الانتخابية قبل اقتراع 23 شتنبر2026.
وسط حملة انتخابية يغلب عليها ضجيج الشعارات والاتهامات المتبادلة، خرجت حلقة استضافة جمال العسري في برنامج «غرفة الفار» على ميد راديو عن المألوف. والعسري هو الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، لكن وجب التذكير بأنه يخوض هذه الاستحقاقات ضمن «تحالف اليسار»، الذي جمع حزبه بفيدرالية اليسار الديمقراطي لخوض الانتخابات البرلمانية لسنة 2026. وقد جاب خلال الحملة مختلف جهات المملكة، شمالا وشرقا وجنوبا وغربا. وعقب الحلقة، تحولت إلى موضوع نقاش واسع على فايسبوك وباقي المنصات، بتعليقات وتدوينات من مشارب متعددة، بعضها لعارفين بالرجل وبعضها لمتابعين عاديين لا تجمعهم به سوى الحلقة.
وتكشف قراءة عينة من هذه التفاعلات عن عناصر متكررة. أغلبها أشاد بوضوح الخطاب وبساطته، وبلغته القريبة من المواطن، وبالجرأة في تسمية الأشياء بأسمائها. وتوقف كثيرون عند ملفات دستورية وسياسية بعينها، مثل الملكية البرلمانية وحدود صلاحيات المنتخب أمام المعين، وعلقت في الذاكرة جملة عن الفقراء الذين يحصون والأغنياء الذين لا يحصون. وهذه ملاحظات المتفاعلين، وتبقى الحلقة نفسها المرجع لمن أراد الحكم.
غير أن الأهم في هذا التفاعل ليس مدح شخص أو نقده، بل ما يكشفه عن حال الجمهور الذي تتوجه إليه الحملة. فقد خاطبت الحلقة، بحسب ما رصد، أربع فئات يصعب استمالتها: المشكك في جدوى الانتخابات، والمقاطع لها، ومن لم يحسم صوته بعد، ومن سئم من اليسار وابتعد بدعوى أنه «ما كاينش معامن». وهؤلاء جميعا يحملون مقولة راسخة في ذهن العامة: «كلهم ولاد عبد الواحد، كلهم واحد». وقد رأى متفاعلون كثر أن أجوبة الضيف جاءت موجهة إلى تفكيك هذه المقولة تحديدا. ورأى آخرون أن الحلقة أبانت كيف يمكن استثمار الحملة الانتخابية لمخاطبة الجميع: عامة الناس وعامة العامة، والنخبة وخاصة الخاصة.
ويرى متفاعلون أيضا أن الضيف دخل الحلقة مستحضرا أهمية اللحظة، فخاض ما يشبه معركة متعددة الواجهات: مع المحاورين داخل الاستوديو، ومع المشاهدين على الجهة الأخرى من الشاشة، ومع التمثلات الشعبية الراسخة عن السياسة والسياسيين. وبحسب التدوينات والتعليقات المرصودة، فقد رأى كثيرون أنه أصاب هذه الأهداف كلها بحجر واحد، هو «غرفة الفار».
ولم يخل هذا التفاعل من أصوات متحفظة، حتى بين المشيدين. فقد أثنى أحد المعلقين على هدوء الخطاب وعقلانيته وقربه من ثقافة الجيل الرقمي، لكنه سجل مؤاخذة تخص العلاقات الدولية، مذكرا بأن «لغة العلاقات الدولية هي لغة المصالح، أي المصلحة الوطنية أولا»، وأن نقطة التوازن بينها وبين القيم الإنسانية تتبدل بتبدل الظروف. وهو ما يبين أن الإعجاب بأسلوب الخطاب لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل مضمونه.
ولا بد من التنبيه إلى حدود هذا الرصد. فالتفاعل الرقمي، مهما اتسع، لا يعكس بالضرورة سلوك الناخبين في صناديق الاقتراع. والعينة المتاحة تميل إلى الإشادة، وبعض التعليقات اتخذت لغة الغلبة والانتصار على مقدمي البرنامج، وهي قراءة ذاتية لا يلزم تبنيها. كما أن الاهتمام بحلقة لا يعني بالضرورة تصويتا لصاحبها أو لتحالفه.
ومع ذلك، يبقى الدرس الأبرز أن جزءا كبيرا من الرأي العام يتفاعل حين يجد خطابا مباشرا وواضحا يخاطب عقله، ويقبل النقاش الجاد حول القضايا الدستورية والاجتماعية بدل الاكتفاء بالوعود العامة. وهو درس صالح لجميع الفاعلين السياسيين، بصرف النظر عن مواقعهم.
والرسالة في الختام أن السؤال الحقيقي ليس من كسب الحلقة، بل هل سيتحول هذا الاهتمام إلى مشاركة واعية. فمن شاهد الحوار، أعجبه أو لم يعجبه، عليه أن يقارن ويستمع إلى بقية الخطابات ثم يقرر بحرية. ففي زمن الشك والعزوف، يبقى الإصغاء ثم الاختيار الحر أفضل من ترك المقعد فارغا.


