الماء تحت المجهر… ماذا ستقول الأحزاب لنا في طنجة؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
دراسات علمية ترصد مؤشرات مقلقة في العيون والمياه الجوفية، فيما تقترب الاستحقاقات البرلمانية… فهل يحضر الأمن المائي والبيئي في برامج الأحزاب، أم تظل بعض الملفات خارج الحساب الانتخابي؟
بينما ينشغل الرأي العام عادة بما يظهر فوق الأرض من روائح وتراكم للنفايات، تكشف الدراسات العلمية عن جانب آخر من المشكلة لا تراه العين بسهولة: جودة المياه الجوفية والعيون المائية.
وهنا تكتسب المسألة أهمية خاصة في جهة طنجة تطوان الحسيمة، حيث ما تزال بعض العيون مصدرا محليا للمياه، وحيث توجد موارد جوفية في مناطق تعرف في الوقت نفسه ضغطا عمرانيا وصناعيا وبيئيا متزايدا.
دراسة علمية حديثة، نشرت سنة 2026 في مجلة Euro-Mediterranean Journal for Environmental Integration، فحصت 26 عينا مائيا بالجهة خلال موسمي الرطوبة والجفاف.
والنتائج تستحق التوقف.
فقد سجلت البكتيريا القولونية الكلية في 69 في المائة من العيون خلال الموسم الرطب، و77 في المائة خلال الموسم الجاف، فيما ظهرت بكتيريا E. coli في 65 في المائة من المواقع التي شملتها الدراسة. كما سجلت بعض العينات تركيزات مرتفعة من هذه البكتيريا.
هذه الأرقام لا تعني أن كل العيون ملوثة بالمستوى نفسه، لكنها تؤكد أن المظهر الصافي للماء لا يكفي للحكم على سلامته، وأن التحاليل المنتظمة تظل الوسيلة الحاسمة لمعرفة جودة المياه.
ما لا تراه العين تحت الأرض:
المشهد يصبح أكثر حساسية عند الانتقال إلى المياه الجوفية المحيطة بمطرح النفايات في طنجة.
دراسة أخرى نشرت سنة 2026 في مجلة Sustainability بحثت في تأثير عصارة المطرح على المياه الجوفية، من خلال تحليل عينات من آبار ومواقع مختلفة، ودراسة عدد من المؤشرات الكيميائية والهيدروكيميائية.
وأظهرت النتائج تفاوتا بين المواقع، مع وجود مؤشرات كيميائية تتوافق في بعض النقاط مع تأثير العصارة، في حين ارتبطت خصائص مياه أخرى بعوامل طبيعية وجيولوجية.
وتؤكد الدراسات الحديثة أهمية المراقبة المنتظمة للمياه المحيطة بالمطرح، بما يسمح برصد أي تغير في جودتها وتحديد مصدره في الوقت المناسب.
والأهم هنا هو تجنب الاستنتاج السهل: الدراسة لا تقول إن جميع المياه الجوفية في طنجة أصبحت ملوثة.
لكنها تقول شيئا أكثر أهمية بالنسبة للسياسات العمومية: هناك مؤشرات تستوجب المراقبة، لأن حركة المياه الجوفية لا تتوقف عند حدود منشأة أو جماعة ترابية.
من المطرح إلى محيطه… من يتحمل كلفة الماضي؟
المطرح ليس مجرد مكان تدفن فيه النفايات.
إنه منشأة لها تأثير محتمل على المجال المحيط بها، ولذلك فإن نجاح تدبيرها لا يقاس فقط بقدرتها على استقبال النفايات (بالاطنان سياسة الطوناج ماليا… )، وإنما أيضا بقدرتها على التحكم في العصارة، وحماية المياه، وتقليص الآثار البيئية على السكان والمجال.
وهنا تبرز قضية أوسع من الدراسة نفسها.
فالمناطق القروية المجاورة للمطرح عاشت لسنوات مع عدد من الإشكالات المرتبطة بالروائح، وتوسيع المجالات الحيوية للدواوير، والتعمير، والتسوية العقارية، والتحديد الإداري،المسالك الطرقية … وغيرها من الملفات التي تمس الحياة اليومية للسكان.
صحيح أن عددا من الدواوير القريبة تم ربطها بشبكة الماء الصالح للشرب، وهي خطوة أساسية، لكن توفير الماء عبر الشبكة لا يلغي الحاجة إلى حماية البيئة والموارد الطبيعية المحيطة.
فالحق في الماء لا يعني فقط الحصول على الماء، بل يعني أيضا حماية مصادره وضمان جودته واستدامته.
طنجة الجديدة… والقرى التي لا ينبغي أن تبقى خارج الصورة.
المفارقة أن هذه المجالات القروية توجد في قلب واحدة من أكثر مناطق المغرب ارتباطا بمشاريع المستقبل.
فبالقرب منها توجد طنجة تيك، ويمر القطار فائق السرعة، وتمتد الطريق السيار في اتجاه ميناء طنجة المتوسط، بينما تعرف المنطقة توسعا عمرانيا واستثماريا متواصلا.
إنها صورة للمغرب الجديد.
لكن المغرب الجديد لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى، وإنما أيضا بقدرة هذه المشاريع على خلق تنمية متوازنة تحمي الإنسان والمجال والموارد الطبيعية.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعا:
إذا كانت المنطقة تستعد لمزيد من الاستثمارات والتحولات، فهل ستظل القرى المحيطة بالمطرح تعالج مشاكلها القديمة بالمنطق نفسه، أم ستكون جزءا فعليا من التنمية الجديدة؟
مركز الطمر والتثمين… فرصة لتصحيح المسار
الاستثمارات المرتقبة لتطوير المطرح وتحويله إلى مركز للطمر والتثمين يمكن أن تشكل فرصة حقيقية لإعادة النظر في العلاقة بين المنشأة ومحيطها.
لكن نجاح المرحلة المقبلة يجب ألا يقاس فقط بالتجهيزات الجديدة أو بحجم النفايات التي سيتم تدبيرها.
المعيار الأهم هو حماية البيئة والمياه.
هل ستتم معالجة العصارة وفق أعلى المعايير؟
هل ستخضع المياه الجوفية والآبار القريبة لمراقبة منتظمة؟
هل ستنشر نتائج التحاليل بشفافية؟
هل ستكون هناك قاعدة بيانات تسمح بمقارنة جودة المياه سنة بعد أخرى؟
وهل ستتضمن المرحلة الجديدة معالجة الاختلالات المتراكمة حيث تثبت الأضرار، بدل الاكتفاء بالنظر إلى المستقبل؟
فجبر الضرر البيئي لا يعني انتظار وقوع كارثة.
بل يبدأ بالاعتراف بالمخاطر، وتحديد الأضرار إن وجدت، ومعالجتها، ومنع تكرارها.
ماذا ستقدم الأحزاب للناخب؟
نحن على أبواب الاستحقاقات البرلمانية في شتنبر 2026.
وهنا ينبغي أن تتغير الأسئلة.
لم يعد الناخب ينتظر فقط وعودا بمشاريع جديدة، بل يريد أن يعرف أيضا:
ماذا ستفعل الأحزاب لمعالجة الاختلالات القائمة وحماية حقوق السكان؟
ماذا قدمت خلال السنوات الماضية للقرى المحيطة بالمطرح؟
ما الذي تحقق في ملفات التعمير والتسوية العقارية والتحديد الإداري؟
كيف ستتعامل مع الآثار البيئية للمطرح؟
ما تصورها لحماية المياه الجوفية؟
ومن سيتولى مراقبة جودة الآبار والعيون؟
وكيف ستضمن أن يتحول الاستثمار الجديد في تدبير النفايات إلى فرصة لتحسين حياة السكان، وليس فقط إلى منشأة أكثر تطورا؟
هذه ليست أسئلة انتخابية هامشية.
إنها أسئلة ترتبط بالصحة والبيئة والماء والعدالة المجالية.
الناخب الرقمي لا يكتفي بالشعارات
ثمة متغير آخر ينبغي أن تدركه الأحزاب.
الناخب في 2026 يعيش في زمن الرقمنة.
الدراسة العلمية أصبحت متاحة، والوثيقة يمكن تداولها، والأرقام قابلة للمقارنة، والوعود الانتخابية يمكن استحضارها بعد سنوات.
لذلك لم يعد من السهل الاكتفاء بخطاب عام عن التنمية.
الناخب يريد أن يعرف ماذا تحقق، ومن يتحمل المسؤولية، وما الذي سينجز، ومتى، وبأي موارد، وكيف يمكن قياس النتائج.
وهنا تتحول الرقمنة من مجرد وسيلة للتواصل الانتخابي إلى أداة للمساءلة.
الخلاصة: حماية الماء جزء من حماية الإنسان
تكشف الدراستان العلميتان أن ملف المياه في جهة طنجة تطوان الحسيمة يستحق مراقبة أكثر انتظاما، وأن حماية العيون والمياه الجوفية لا ينبغي أن تكون رد فعل بعد ظهور الضرر، بل سياسة دائمة للوقاية والرصد والتدخل.
وبالنسبة إلى محيط مطرح طنجة، فإن الانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير النفايات يمثل فرصة لإعادة بناء الثقة مع السكان، عبر مراقبة علمية مستقلة وشفافة، وحماية المياه، ومعالجة الاختلالات التي يثبت وجودها، وربط التنمية بجبر الضرر والاستدامة.
أما الأحزاب، وهي تستعد لطلب أصوات الناخبين، فالمطلوب منها أكثر من تقديم لوائح طويلة من الوعود.
المطلوب أن تجيب بوضوح:
كيف ستحمي الماء؟
كيف ستحمي الإنسان؟
وكيف ستضمن أن تصل التنمية الجديدة إلى القرى كما تصل إلى المدينة؟
فالمغرب الجديد لا يمكن أن تكون له صورتان: مدينة ذكية ومجال قروي ينتظر معالجة الملفات القديمة.
والتنمية الحقيقية ليست أن نبني المستقبل فقط، بل أن نصلح ما تراكم من الماضي، ونحمي موارد الحاضر، ونترك للأجيال المقبلة مجالا صالحا للحياة.
في شتنبر 2026، لا ينبغي أن يطلب من المواطن أن يصوت على الوعود، بل أن يحاسب على حصيلة حماية حقوقه. فالماء حق، والبيئة السليمة حق، وجبر الضرر البيئي مسؤولية قانونية ومؤسساتية، وليس منحة انتخابية تستعمل عند الحاجة. والاستحقاق الحقيقي هو أن تتحول هذه الحقوق من شعارات في الحملات إلى التزامات قابلة للقياس والمساءلة.



