كزناية ..منطقة حرة بسرعة العالم… وإدارة بسرعة الطوابير
بقلم : الحداد حسن المنزلي
مفارقة كزناية تفتح سؤال الإدارة المواطنة: هل تسير كل مكونات المغرب الجديد بالسرعة نفسها؟
وصلتنا من أحد المتابعين ملاحظة تستحق التوقف، تتعلق بوضعية مكتب المصادقة على الوثائق الإدارية عند مدخل المنطقة الصناعية الحرة بكزناية، حيث يقول إن أحد المرافق الإدارية ظل مغلقا لأزيد من أربعة أسابيع خلال فترة العطلة، قبل أن يستأنف نشاطه وسط طوابير طويلة من الشباب الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الانتظار لساعات.
قد يبدو الأمر مجرد ارتباك إداري عابر، لكن عندما يتعلق الأمر بمنطقة حرة وصناعية بهذا الحجم، تستقطب شركات واستثمارات عالمية، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد طابور.
إنه سؤال عن جودة الإدارة، وحقوق المرتفق، وصورة المغرب الجديد.
عندما تسبق سرعة الاستثمار سرعة الإدارة.
المغرب الذي يستقطب الاستثمارات، ويطور المناطق الصناعية، ويشجع الرقمنة وتبسيط المساطر، يحتاج إلى إدارة تواكب هذه السرعة.
فالمرتفق ليس رقما في طابور، ووقته ليس تفصيلا ثانويا.
ومن منظور حقوق المستهلك، بالمعنى الواسع الذي يشمل حماية المرتفق من التعقيد والانتظار غير المبرر، فإن جودة الخدمة ووضوح المساطر واستمراريتها أصبحت جزءا من العلاقة الجديدة بين المواطن والإدارة.
فإذا كانت الدولة تريد إدارة مواطنة، فالمطلوب ليس فقط أن تكون الخدمة متاحة، بل أن تكون فعالة، واضحة وتحترم وقت المواطن.
العطلة حق… واستمرارية الخدمة حق أيضا
لا يتعلق الأمر بمساءلة الموظفين عن حقهم المشروع في العطلة، وإنما بكيفية تنظيم المرفق حتى لا تتحول العطلة إلى توقف فعلي للخدمة، ثم إلى اكتظاظ وطوابير عند استئنافها.
الإدارة الحديثة تستبق الضغط، توفر البدائل، تنظم المواعيد، وتستعمل الرقمنة حيثما أمكن.
وهنا يصبح السؤال بسيطا:
هل صممت الإدارة لخدمة المواطن، أم ما زال المواطن مطالبا بالتكيف مع طريقة اشتغالها؟
المفارقة تظهر أكثر عند مغادرة المنطقة الحرة.
تغادر كزناية الصناعية يوم 31 غشت 2026، وبعد مسافة قصيرة فقط، تصل إلى مركز جماعة كزناية، فتجد نفسك أمام واقع ما زالت بعض ملامحه تستحضر تسعينيات القرن الماضي، رغم إدماج المجال إداريا ضمن الامتداد الحضري لطنجة الكبرى.
بضعة كيلومترات فقط تفصل بين منطقة تعمل بإيقاع الاقتصاد العالمي ومجال حضري لم يواكب بعد، بالقدر نفسه، هذا التحول.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مكتب أو جماعة:
كيف يمكن لمجال واحد أن يعيش بسرعتين مختلفتين؟
إنتاج المواطنة يبدأ من التفاصيل
المواطنة لا تنتج فقط داخل المدرسة أو الأسرة أو الخطاب السياسي.
تنتج أيضا في طابور الإدارة.
حين تحترم الإدارة وقت المواطن، وتوضح له المسطرة، وتوفر له المعلومة، وتتيح له الخدمة رقميا حيثما أمكن، فهي لا تقدم خدمة فقط، بل تبني علاقة ثقة.
وحين يضطر المواطن إلى الانتظار لساعات بسبب خدمة كان يمكن تنظيمها أو رقمنتها أو توفير بديل لها، فإن المشكلة لا تكون في الوثيقة وحدها، بل في التجربة التي يعيشها المواطن مع مؤسساته.
وهنا تلتقي حقوق المرتفق مع الإدارة المواطنة.
طنجة الكبرى أمام مرحلة مختلفة:
الاستثمارات الكبرى، والمناطق الصناعية والحرة، والبنية التحتية، والاستعداد لاستحقاقات 2030، كلها ترفع سقف الانتظارات.
لكن نجاح هذه الأوراش لن يقاس فقط بحجم الاستثمار وعدد المصانع، بل أيضا بما يحدث في التفاصيل اليومية:
كيف تعمل الإدارة؟ كم ينتظر المواطن؟ كيف يتحرك العامل؟ وهل يجد المستثمر والمواطن مدينة وخدمات تواكب السرعة الاقتصادية نفسها؟
فالمغرب بسرعة واحدة لا يعني أن كل شيء يتحرك بالسرعة نفسها حرفيا، وإنما أن تكون الإدارة والخدمات والمدينة في مستوى الطموح الاقتصادي نفسه.
المنطقة الحرة بكزناية ليست مجرد مساحة صناعية، بل واجهة للمغرب الاقتصادي الجديد.
ولهذا، فإن الإدارة والمجال الحضري المحيط بها يجب أن يكونا في مستوى هذه الواجهة.
المطلوب ليس إدارة فاخرة، بل إدارة تحترم وقت المواطن، تضمن استمرارية الخدمة، وتستعمل الرقمنة لتسهيل حياته.
فالمواطن الذي ينتظر ساعات ليس مجرد شخص يبحث عن وثيقة.
إنه مواطن يختبر، في تلك اللحظة، علاقة المرفق العمومي به، ومدى احترامه لوقته وحقه في خدمة فعالة وكريمة.
طنجة التي تستعد للمستقبل لا يمكن أن تدخل إليه بعقلية الماضي.
والسؤال الحقيقي ليس فقط: متى ينتهي الطابور؟
بل: متى تصبح الإدارة جزءا من مغرب يسير بسرعة واحدة؟


