بالأمس أودعوا ملفات ترشيحهم بطنجة الكبرى.. واليوم: ماذا عن أسعار العلاج في المصحات الخاصة؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
مع انطلاق سباق شتنبر 2026، أسئلة الصحة والفاتورة والتعريفة الوطنية المرجعية تنتظر أجوبة من المرشحين.
في طنجة الكبرى، بدأ سباق الاستحقاقات البرلمانية لشهر شتنبر 202 6 بإيداع المرشحين ملفات ترشيحهم، وبدأ معه موسم الوعود والبرامج والبحث عن ثقة الناخب.
لكن الناخب لا يعيش بالوعود وحدها.
هناك أسئلة يومية أكثر إلحاحا، تظهر خصوصا عندما يمرض أحد أفراد الأسرة: كم يكلف العلاج؟ وما الذي ستتحمله التغطية الصحية؟ ومن يراقب الفاتورة التي سيدفعها المريض من جيبه؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، لأنها تمس الحق في الصحة والقدرة الشرائية للمواطن في الوقت نفسه.
عندما لا تكفي التغطية الصحية
قد يدخل المواطن مصحة خاصة وهو يتوفر على تغطية صحية، معتقدا أن جزءا مهما من تكاليف علاجه سيكون مغطى.
لكن المفاجأة قد تأتي عند الخروج.
فالتعويضات تحتسب على أساس التعريفة الوطنية المرجعية، بينما يمكن أن تكون الأسعار الفعلية لبعض الخدمات أعلى منها بكثير. والنتيجة هي فارق مالي يتحمله المريض مباشرة.
المشكلة لا تكمن في وجود فرق بين التعريفة المرجعية والسعر الفعلي في حد ذاته، وإنما في حجم هذا الفرق وشفافية احتسابه ومدى معرفة المريض به قبل العلاج.
والأهم أن التعريفة الوطنية المرجعية تعود إلى اتفاقية سنة 2006، وهو ما دفع مجلس المنافسة إلى الدعوة إلى مراجعتها وتحيينها بما يواكب تطور تكاليف العلاج.
وهنا تظهر أول مفارقة:
من جهة، الدولة توسع قاعدة التغطية الصحية؛ ومن جهة أخرى، يظل أساس احتساب التعويض مرتبطا بمرجعية عمرها نحو عقدين.
فكيف يمكن أن نطلب من التغطية الصحية أن تحمي المواطن إذا كانت المرجعية التي تحتسب على أساسها التعويضات لم تواكب التحولات التي عرفها القطاع؟
لماذا تختلف الفاتورة من مصحة إلى أخرى؟
قد تكون الحالة المرضية نفسها، وقد تكون العملية الجراحية نفسها، ومع ذلك تختلف الفاتورة بين مؤسسة وأخرى.
قد يكون الاختلاف مبررا عندما يتعلق بجودة التجهيزات أو نوع الغرفة أو طبيعة المستلزمات أو الخدمات المقدمة.
لكن الاختلاف يصبح إشكالا عندما لا يعرف المريض لماذا دفع هذا المبلغ تحديدا، وما الذي يدخل في التغطية، وما الذي بقي خارجها.
لهذا فإن حرية الاستثمار وتنوع العرض الصحي يجب ألا تعني غياب الشفافية.
السوق الصحي يحتاج إلى المنافسة، لكنه يحتاج أيضا إلى قواعد واضحة تحمي الطرف الأضعف في العلاقة: المريض.
من الفاتورة إلى «النوار» وشيك الضمان:
تزداد الخطورة عندما تتحول الفوارق المالية إلى مبالغ غير واضحة أو أداءات خارج الفاتورة، أو عندما يجد المريض نفسه أمام طلب شيك ضمان في ظروف يفترض فيها أن تكون العلاقة العلاجية محكومة بالقانون والمساطر.
وقد سبق لمجلس المنافسة أن تناول هذه الإشكالات، وسجل ممارسات مرتبطة بالفوترة، ودعا إلى تعزيز الشفافية وإشهار الأسعار وفرض فواتير مفصلة، كما شدد على محاربة الممارسات غير القانونية المرتبطة بشيك الضمان.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمسألة تجارية.
المريض لا يدخل المصحة في وضعية مستهلك عادي يقارن بين أسعار الهواتف أو السيارات. إنه يدخلها غالبا تحت ضغط المرض والحاجة والاستعجال.
لذلك فإن حماية المريض من الفوترة غير الشفافة ليست تقييدا للاستثمار الخاص، وإنما هي حماية للثقة في المنظومة الصحية برمتها.
أين الدولة؟ وأين القطاع العام؟
الدفاع عن المستهلك لا يعني مهاجمة المصحات الخاصة.
القطاع الخاص شريك أساسي في المنظومة الصحية، والاستثمار في المصحات والتجهيزات والموارد البشرية أمر مطلوب.
لكن الشراكة لا تعني أن يترك المواطن وحده أمام الفاتورة.
الجهات الوصية مطالبة، في المقابل، بثلاثة أمور واضحة: تحيين التعريفة المرجعية، تشديد الرقابة على الفوترة، وضمان شفافية الأسعار والتكاليف قبل العلاج كلما كان ذلك ممكنا.
وفي الوقت نفسه، فإن تقوية القطاع الصحي العمومي ليست منافسة عدائية للقطاع الخاص، بل هي شرط لتحقيق التوازن.
فكلما كان المستشفى العمومي مجهزا، جيدا، متاحا وقادرا على تقديم علاج ذي جودة، أصبح المواطن يملك خيارا حقيقيا، وأصبح السوق أكثر توازنا.
أما حين يضعف البديل العمومي، يصبح المريض مضطرا في كثير من الحالات إلى اللجوء إلى القطاع الخاص، حتى عندما تكون كلفته فوق قدرته المالية.
المفارقة الانتخابية:
هنا تبرز مفارقة تستحق أن تكون حاضرة في النقاش الانتخابي بطنجة الكبرى.
المرشح يطلب من المواطن صوته للوصول إلى البرلمان، بينما المواطن يريد من البرلمان أن يدافع عن حقه في الصحة ويحمي قدرته الشرائية.
ولذلك فإن ملف المصحات الخاصة ليس شأنا تقنيا يخص وزارة الصحة والتأمينات وحدهما.
إنه أيضا سؤال تشريعي ورقابي.
ما الذي سيفعله البرلماني المقبل لتحديث منظومة التعريفة المرجعية؟
كيف سيطالب بتشديد الرقابة على الفوترة؟
كيف سيدافع عن حق المريض في معرفة التكلفة الحقيقية للعلاج قبل الخضوع له؟
وكيف سيساهم في تقوية المستشفى العمومي حتى لا يصبح المواطن رهينة لخيار واحد؟
هذه أسئلة يمكن للناخب أن يطرحها على المرشحين، لأن البرنامج الانتخابي لا ينبغي أن يتحدث فقط عن المشاريع الكبرى، بل أيضا عن ما يحدث لجيب المواطن عندما يمرض.
المطلوب ليس حربا على المصحات الخاصة، ولا شيطنة الاستثمار في الصحة.
المطلوب هو سوق صحي منظم، شفاف وعادل: مصحات خاصة تستثمر وتربح في إطار القانون، ومريض يعرف مسبقا ما سيدفعه، وتأمين صحي يعوض على أساس مرجعيات واقعية، ورقابة لا تكتفي باستقبال الشكايات، وقطاع عمومي قوي يشكل ضمانة فعلية للحق في العلاج.
وفي طنجة الكبرى، حيث يطلب المرشحون ثقة الناخب في شتنبر 2026، يمكن أن يكون هذا الملف واحدا من الاختبارات الحقيقية لجدية البرامج.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى من يعده بمستقبل أفضل.
يحتاج أيضا إلى من يضمن ألا يتحول المرض إلى فاتورة لا يستطيع فهمها أو تحملها.
والصحة ليست امتيازا لمن يستطيع الدفع أكثر، كما أن حماية المستهلك ليست شعارا انتخابيا.
حين يتعلق الأمر بصحة المواطن وقدرته على تحمل كلفة العلاج، تصبح حماية المريض مسؤولية دولة، وقضية تستحق أن تكون حاضرة في برامج من يطلبون ثقة الناخب.


