كثر من 100 يوم والعدالة معلّقة.. من يحمي المواطن قبل صناديق الاقتراع؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
أزمة المحاماة لم تعد شأنا مهنيا فقط، بل أصبحت اختبارا لحق المواطن في العدالة، ولقدرة المؤسسات على الحوار وتصحيح المسار، قبل استحقاقات شتنبر 2026.
لست محاميا عن أحد، ولا وكيلا لأحد، ولا خصما لأحد. وهذا القلم، المصنف في خانة الدفاع عن حقوق المستهلك، ينطلق من قناعة واضحة: حقوق المستهلك تمتد من المهد إلى اللحد، وحمايتها لا تكتمل إلا بقضاء قوي وفعال، باعتباره إحدى أهم سلط دولة الحق والقانون.
اليوم، وبعد أكثر من 100 يوم من التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية ومقاطعة المهام القضائية، لم تعد الأزمة تخص هيئة المحامين وحدها. وراء كل ملف متأخر مواطن ينتظر، وأسرة تنتظر حكما، وحقوق مالية أو اجتماعية معلقة.
من حق المهنة إلى حق المواطن:
للمحامين كامل الحق في الدفاع عن استقلال مهنتهم ومطالبهم المشروعة، وللدولة حقها في التشريع وتحديث منظومة العدالة.
لكن بين الطرفين يوجد حق المواطن في عدالة مستمرة وفعالة وفي أجل معقول.
وهنا بيت القصيد: كيف يمكن إنهاء أزمة بهذا الحجم قبل أن تتحول كلفتها على المواطن والثقة في المؤسسات إلى أكبر من كلفة الحوار نفسه؟
خفّان زربان.. وسؤال الإنصاف:
في أكثر من ملف عمومي، تتشكل لدى المواطن صورة مفادها أن القرار قد يصدر بسرعة، بينما يحتاج التعامل مع آثاره أو طلب الإنصاف إلى سنوات.
ملف تحديد الملك الغابوي، مثلا، يثير لدى سكان بعض المناطق أسئلة متواصلة حول آثار قرارات إدارية قديمة وسبل معالجة ما يعتبرونه أضرارا أو اختلالات.
ليست الملفات متشابهة قانونيا، لكن المفارقة واحدة في نظر المواطن: لماذا تستطيع الدولة أن تتحرك بسرعة عندما يتعلق الأمر بإصدار القرار، بينما يصبح الوصول إلى الإنصاف أبطأ بكثير؟
لماذا نجح الحوار في التعليم؟
حين توقفت الدراسة، لم يكن الحل في ترك الأزمة مفتوحة إلى ما لا نهاية. فتح الحوار مع النقابات، وتم التوصل إلى اتفاقات وترتيبات مهنية ومالية أنهت جانبا كبيرا من الأزمة.
فلماذا لا تستثمر الروح نفسها في أزمة المحاماة؟
المهنة الحرة لا تمثل العبء المالي نفسه الذي يمثله قطاع التعليم على ميزانية الدولة. لذلك يبدو السؤال مشروعا: ما الذي يجعل الوصول إلى حل لأزمة المحاماة بهذه الصعوبة؟
هل الخلاف في مضمون القانون؟ أم في ضمانات استقلال المهنة؟ أم في طريقة التشاور؟ أم أن التراجع عن بعض المقتضيات أصبح ينظر إليه باعتباره تراجعا سياسيا؟
هذه أسئلة تحتاج إلى جواب مؤسساتي، لا إلى مزيد من الانتظار.
الرقمنة ليست المشكلة:
تحديث العدالة والرقمنة خيار لا يمكن رفضه، لكن نجاحه لا يقاس بسرعة إدخال التكنولوجيا إلى المحاكم فقط.
الرقمنة يجب أن تجعل العدالة أسرع وأسهل وأكثر إنصافا، وأن تحافظ في الوقت نفسه على حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة وحق المواطن في الولوج إلى القضاء.
الأحزاب أمام امتحان شتنبر:
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، تصبح أزمة المحاماة أيضا سؤالا سياسيا ومؤسساتيا.
الأحزاب التي دعمت القانون مطالبة بأن تشرح للناخب كيف ستساهم في إنهاء الأزمة، والمعارضة مطالبة بأكثر من استثمارها انتخابيا.
المواطن لا يحتاج إلى من يعده بمقاعد إضافية، بل إلى من يقدم حلا لأزمة تمس إحدى أهم سلط دولة الحق والقانون.
المغرب الجديد لا يقاس بسرعة القرار فقط.
المغرب الجديد الصلب ليس دولة سريعة في إصدار النصوص فقط، بل دولة سريعة أيضا في الحوار، والإنصاف، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح.
الدولة لا تخسر عندما تتحاور، والحكومة لا تخسر عندما تراجع مقتضى يحتاج إلى مراجعة، والمحامون لا يخسرون عندما يحمون مهنتهم ويضعون حق المواطن في العدالة في مقدمة الأولويات.
الخاسر الحقيقي هو المواطن عندما تتحول الخلافات المؤسساتية إلى عدالة مؤجلة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق صناديق الاقتراع ليس فقط: من سيفوز بالمقاعد؟ بل أيضا: من يملك الشجاعة لتقديم حلول حقيقية لأزمة العدالة؟
فالقوة الحقيقية لدولة الحق والقانون ليست في أن تقول كلمتها بسرعة، وإنما في أن تكون كلمتها عادلة، وأن تبقى أبواب العدالة مفتوحة.


