الدخول المدرسي تحت ضغط الأسعار… ماذا ستقدم الأحزاب للأسر؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
مع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، هل ستتحول كلفة التعليم والقدرة الشرائية للأسر إلى أولوية في برامج الأحزاب ومساءلتها داخل البرلمان؟
ليس كل ما يثقل ميزانية الأسرة يظهر في فواتير كبيرة.
أحيانا تكون النفقات موزعة بين دفتر، وكتاب، وأقلام، ومحفظة، وأدوات مدرسية تبدو منفردة بسيطة، لكنها حين تجتمع في بداية الموسم الدراسي تتحول إلى فاتورة حقيقية تفرض نفسها على الأسرة في توقيت محدد، وبلا هامش كبير لتأجيلها.
ومع اقتراب الدخول المدرسي 2026-2027، يعود السؤال حول كلفة العودة إلى المدرسة، في ظل استمرار ملاحظات بشأن ارتفاع أسعار عدد من الأدوات والمستلزمات والكتب المدرسية، إلى جانب إشكالية عدم توفر بعض الكتب في الوقت المناسب، خصوصا في بعض المؤسسات التي تعتمد مسارات تعليمية جديدة.
المسألة، في جوهرها ليست مجرد حديث موسمي عن غلاء الأسعار. إنها قضية ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية للأسرة وبحق التلميذ في الانطلاق في موسمه الدراسي في ظروف مناسبة.
مستهلك لا يستطيع الانتظار
في الأسواق العادية، يستطيع المستهلك أحيانا تأجيل عملية الشراء أو البحث عن بديل أو انتظار انخفاض السعر.
أما في الدخول المدرسي، فالمعادلة مختلفة.
الأسرة لا تستطيع أن تقول لطفلها: انتظر حتى تنخفض أسعار الدفاتر، أو حتى يتوفر الكتاب المدرسي، أو حتى يصبح ثمن الأدوات أكثر ملاءمة.
هناك تاريخ محدد لانطلاق الدراسة، وهناك لائحة من المستلزمات، وهناك طفل يجب أن يكون مستعدا منذ اليوم الأول.
وهنا تكمن خصوصية المستهلك في الموسم الدراسي: إنه مستهلك مضطر إلى الشراء، وليس مستهلكا يملك دائما رفاهية الانتظار.
ومن ثم، فإن حماية المستهلك في هذه المرحلة لا ينبغي أن تختزل في مراقبة بعض الأسعار بعد ارتفاعها، وإنما يفترض أن تبدأ قبل الدخول المدرسي، عبر الاستباق، وضمان وفرة الكتب والأدوات، وتعزيز شفافية الأسعار، ومراقبة السوق، والتعامل بسرعة مع أي اختلالات يمكن أن تمس الأسر.
الكتاب المدرسي ليس سلعة عادية،
وتزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بالكتب المدرسية.
فالكتاب ليس منتجا ترفيهيا يمكن الاستغناء عنه، بل أداة أساسية في العملية التعليمية. وإذا لم يكن متوفرا في الوقت المناسب، فإن الضرر لا يتوقف عند الأسرة التي تبحث عنه، بل يمكن أن يمتد إلى التلميذ والمدرس والمؤسسة التعليمية.
وتطرح هذه الوضعية سؤالا بسيطا لكنه مهم:
كيف نطالب التلميذ بانطلاقة دراسية منتظمة، بينما قد يجد نفسه أمام كتاب غير متوفر أو غير متاح في الوقت المناسب؟
والأمر يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق بكتب مدارس الريادة، باعتبار أن أي انتقال في البرامج أو المناهج أو طرق التدريس يحتاج بالضرورة إلى توفير الأدوات البيداغوجية المرتبطة به في الوقت المناسب.
فالاستعداد للدخول المدرسي لا يبدأ صباح اليوم الأول من الدراسة، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال التخطيط والتنسيق وضمان وصول الكتب والمستلزمات إلى الأسر والمؤسسات في الوقت المناسب.
حماية المستهلك تبدأ قبل أن يصل إلى السوق،
من الخطأ اختزال حماية المستهلك في التدخل بعد وقوع المشكلة.
الحماية الحقيقية تبدأ بالوقاية.
وعندما يتعلق الأمر بالدخول المدرسي، فإن الوقاية تعني معرفة حجم الطلب مسبقا، وضمان وفرة الكتب والمستلزمات الأساسية، ومراقبة الأسعار، وضمان وضوحها، والتصدي لأي ممارسات يمكن أن تؤدي إلى الإضرار بالمستهلك.
كما تعني تمكين الأسرة من معلومات واضحة تساعدها على اتخاذ قرار الشراء دون أن تجد نفسها أمام مفاجآت غير محسوبة.
فالمنافسة الصحية يفترض أن تمنح المستهلك خيارات، والأسعار الواضحة تمنحه القدرة على المقارنة، ووفرة المنتجات تمنحه إمكانية الاختيار.
أما عندما تجتمع الحاجة الملحة مع نقص العرض وارتفاع الأسعار، فإن هامش الاختيار يضيق، وتصبح الأسرة الطرف الأكثر تعرضا للضغط.
نريد مدرسة تضمن تكافؤ الفرص، لا دخولا مدرسيا يرهق الأسر بتكاليف تفوق قدرتها.
هنا تظهر المفارقة التي لا ينبغي تجاهلها.
نحن نتحدث باستمرار عن تكافؤ الفرص في التعليم، لكن تكافؤ الفرص لا يبدأ داخل الفصل الدراسي فقط.
إنه يبدأ أيضا من قدرة الطفل على الوصول إلى المدرسة بالكتب والأدوات التي يحتاجها، ومن قدرة أسرته على توفيرها دون أن تتحول بداية الموسم الدراسي إلى عبء مالي يفاقم هشاشتها.
فالعدالة التعليمية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وحماية القدرة الشرائية ليست ملفا اقتصاديا منفصلا عن المدرسة.
فإذا كان التعليم حقا مكفولا للجميع، فإن توفير شروطه الأساسية يجب أن يظل مسؤولية مشتركة، لا عبئا إضافيا يثقل كاهل الأسر.
المطلوب ليس تجميد السوق.. بل حماية المستهلك،
ليس المطلوب أن تتحول الدولة إلى طرف يحدد كل الأسعار في السوق، ولا أن يتم التعامل مع كل ارتفاع باعتباره مخالفة.
المطلوب هو شيء أكثر عقلانية: سوق شفافة، منافسة سليمة، وفرة كافية، أسعار معلنة وواضحة، ومراقبة فعالة عندما تظهر مؤشرات على وجود اختلالات.
كما أن التدخل العمومي، حين يكون ضروريا، ينبغي أن يكون استباقيا لا انتظاريا، لأن معالجة المشكلة بعد انتهاء الدخول المدرسي لن تعيد للتلميذ أياما دراسية ضاعت، ولن تعيد للأسرة ما أنفقته تحت الضغط.
الدخول المدرسي مسؤولية تتجاوز المدرسة،
الدخول المدرسي ليس مسؤولية وزارة أو مؤسسة تعليمية وحدها.
إنه تقاطع بين التعليم، والاقتصاد، وحماية المستهلك، والقدرة الشرائية، وتنظيم السوق.
والأسرة لا تطلب امتيازا حين تبحث عن كتاب متوفر وسعر واضح وسوق منظم. إنها تطلب ببساطة أن تستطيع القيام بواجبها تجاه أبنائها في ظروف عادلة.
أما التلميذ، فلا ينبغي أن تكون أول مواجهة له مع الموسم الدراسي هي مواجهة مع فاتورة تثقل كاهل أسرته.
فالمدرسة تبدأ من الحق في التعلم، لكن هذا الحق يحتاج إلى شروط مادية عادلة تحمي الأسرة وتحفظ للتلميذ كرامته وتكافؤ فرصه.
والدخول المدرسي الناجح ليس فقط أن تفتح المؤسسات أبوابها في موعدها، وإنما أن تصل الأسر إلى ذلك الموعد وهي قادرة على تحمل كلفته، وأن يجد التلميذ كتابه وأدواته في الوقت المناسب.
بعد صيفٍ استنزف ميزانية الأسر، ووسط ارتفاع الأسعار، تحتاج العودة المدرسية إلى كلفة تراعي القدرة الشرائية، لا أن تزيد منسوب القلق والتوتر. فالعودة إلى الأقسام ينبغي أن تكون مناسبة للفرح واستئناف الدراسة، لا موعدا سنويا مع أعباء تثقل كاهل الأسر.



