قرى طنجة الكبرى… احتجاج صامت تحت وطأة “اللاءات الخمس”
بقلم : الحداد حسن المنزلي
بين المغرب المنسي وقرى طنجة الكبرى… من يسمع صوت الصمت؟
في مناطق عديدة من المغرب العميق، كما حدث مؤخرا بإقليم ميدلت وآيت بوكماز سابقا، خرجت الساكنة للاحتجاج، قطعت الكيلومترات مشيا على الأقدام، رفعت مطالب واضحة تتعلق بالطرق، والسكن، وشبكات الاتصال، وفك العزلة. وبعد الاحتجاج، جاء الحوار، وبدأت الوعود والحلول.
لكن المفارقة الصادمة أن هناك مناطق أخرى لا تقل معاناة، بل ربما تعيش ضغطا أشد تعقيدا، ومع ذلك لا تحتج، لا تخرج في مسيرات، ولا ترفع شعارات في الشوارع.
نتحدث هنا عن قرى طنجة الكبرى.
قرى تقع في قلب المجال الترابي لقطب اقتصادي عالمي، وتجاور مشاريع استراتيجية كبرى، وتوجد في محيط مدينة تقدم كنموذج للمغرب الجديد، لكن ساكنتها القروية تعيش واقعا يطرح أكثر من علامة استفهام.
السؤال المؤلم هنا ليس فقط: ما الذي تعانيه هذه الساكنة؟
بل السؤال الأعمق: كيف يمكن لمناطق توجد على مشارف واحدة من أكثر المدن دينامية بالمغرب أن تعيش كل هذا الاحتقان في صمت؟
اللاءات الخمس… عنوان مرحلة كاملة
إذا أردنا تلخيص واقع جزء مهم من قرى طنجة الكبرى، فيمكن اختزاله في خمس لاءات كبرى.
أولا: لا للأرض
الأرض بالنسبة للساكنة القروية ليست مجرد وعاء عقاري، بل هي الذاكرة، والهوية، ومصدر العيش.
غير أن التحديد الإداري، وفق ما تؤكده الساكنة ومختلف الفاعلين، خلق وضعا معقدا ومربكا، بعد ضم الاراضي الخاصة، الاراضي السلالية، بل وحتى أراضي الأوقاف العامة والخاصة، ضمن التحديد الإداري للمجال الغابوي تسبب ذلك في نزاعات وإشكالات قانونية واجتماعية متواصلة.
والنتيجة؟
منع الحرث، منع الزرع، منع الرعي، في أراض كانت لقرون و لعقود طويلة مصدر رزق للساكنة .
أي رسالة تصل إلى القروي حين يفقد أرضه دون حلول واضحة؟
ثانيا: لا للماء
في زمن الحديث عن العدالة المجالية والتنمية المستدامة، ما زالت بعض المنازل بقرى طنجة الكبرى، رغم ارتباطها بالشبكة، تعاني من ضعف أو انقطاع التزود بالماء الصالح للشرب.
الأمر لا يقف هنا.
هناك أيضا التخوفات البيئية المرتبطة بمطرح النفايات بالمنزلة، خاصة بعد تزايد النقاش حول تأثير التسربات والعصارة على الفرشة المائية والمحيط البيئي.
وهنا يصبح السؤال مشروعا:
كيف يمكن الحديث عن تنمية مستدامة في غياب أمن مائي وبيئي حقيقي؟
ثالثا: لا للهواء النقي
في دواوير حجر النحل، سبت الزينات، والمنزلة، لم يعد التلوث البيئي موضوعا نظريا.
الروائح الكريهة القادمة من مطرح النفايات، وانتشار العصارة في المحاور الطرقية، تحولت إلى جزء من يوميات الساكنة.
الأمر هنا لم يعد مرتبطا فقط بجودة العيش، بل أصبح سؤالا صحيا وبيئيا يمس الكرامة الإنسانية بشكل مباشر.
رابعا: لا للسكن والاستقرار
السكن حق دستوري وشرعي.
لكن عددا من الأسر بقرى طنجة الكبرى تجد نفسها أمام انسداد شبه كامل في ما يتعلق برخص البناء.
حتى السكن القروي التقليدي، المبني بالطين أو بالحجر وفق الخصوصية المحلية، أصبح في حالات كثيرة معلقاً بين المنع، والتأجيل، والغموض الإداري.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
لماذا يستمر التأخر في إخراج وثائق التعمير وتبسيط مساطر البناء؟
خامساً: لا للحرية
حين يصبح الفلاح مهددا بمحاضر ومتابعات قضائية بسبب نشاط مرتبط بالأرض، فإننا نكون أمام وضع يتجاوز الإشكال الإداري إلى أزمة ثقة حقيقية.
الاحتقان هنا لا يقاس بالصراخ، بل بالصمت.
وصمت القرى أحيانا أخطر من ضجيج المدن.
الاحتجاج الصامت… كرة ثلج تكبر
الغريب في قرى طنجة الكبرى أن الساكنة لا تخرج إلى الشارع، رغم أن القروي غالبا يصبر على كل شيء إلا حين يتعلق الأمر بالأرض والكرامة.
لا مسيرات.
لا شعارات.
لا اعتصامات كبرى.
لكن تحت هذا الصمت، يوجد احتقان حقيقي، خاصة وسط الشباب.
احتقان صامت يكبر تدريجيا مثل كرة ثلج.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
هل صمت الساكنة أصبح سببا في استمرار اللامبالاة؟
أم أن هذا الصمت نابع من إيمان عميق بأن ساعة الإنصاف ستأتي، ولو بعد حين؟
أزمة ثقة حقيقية
هناك قناعة تكاد تكون جماعية داخل عدد من قرى طنجة الكبرى:
الثقة في المنتخبين والمجالس المنتخبة وصلت إلى مستوياتها الدنيا.
الساكنة لا تريد خطابات موسمية.
ولا وعودا مؤجلة.
ولا لغة خشبية.
هي تريد فقط أجوبة واضحة:
من المستفيد من استمرار هذا الوضع؟
لماذا لم يحسم بعد في اختلالات التحديد الإداري؟
لماذا تأخر إخراج وثائق التعمير؟
متى سيتحول مطرح المنزلة إلى نموذج فعلي للفرز والتثمين بدل أن يبقى عنوانا للعشوائية والروائح؟
مقترحات عقلانية قبل الوصول إلى نقطة الانفجار.
الملف لا يحتاج إلى مسكنات ظرفية، بل إلى قرارات شجاعة.
أولا: فتح مراجعة شاملة وعادلة لملف التحديد الإداري حسب المحاضر المنجزة في الموضوع.
ثانيا: تسريع إخراج وثائق التعمير الخاصة بالمناطق القروية.
ثالثا: تبسيط مساطر رخص البناء للسكن القروي.
رابعا: التسريع بإصلاح شامل لمطرح المنزلة وفق معايير بيئية صارمة.
خامسا: فتح حوار ميداني مباشر مع الساكنة بعيدا عن الوساطات السياسية التقليدية.و الجدير بالذكر أن
الاختباء وراء شماعة الانتخابات لتبرير تعطيل حل الملفات العالقة لم يعد مقنعا، بل أصبح عنوانا للارتباك وغياب الجرأة في اتخاذ القرار. الحديث عن الخوف من ركوب الأحزاب على هذه الملفات يبدو أقرب إلى العبث، لأن الجميع يدرك أن المنتخبين في هذا الملف مجرد هامش، بينما القرار الحقيقي بيد السلطة. لذلك، كفى من منطق الانتظار والتسويف. المطلوب اليوم هو التحرك العاجل لتصحيح الاختلالات، رفع الحيف، وامتصاص الاحتقان المتصاعد قبل أن يصل إلى مستويات لا تنفع معها الحلول المتأخرة.
خاتمة: لمن يهمه الأمر
قد يبدو المشهد هادئا في قرى طنجة الكبرى.
لكن الهدوء ليس دائما مؤشرا على الاستقرار.
أحيانا يكون الهدوء مجرد صمت ثقيل يسبق الانفجار.
الساكنة اليوم لا تطلب امتيازات استثنائية، ولا تبحث عن رفاهية زائدة.
هي تطالب بحقوق بديهية: الأرض، الماء، الهواء النقي، السكن، والكرامة.
فهل ننتظر خروج الساكنة في مسيرات نحو ولاية طنجة حتى يتحرك الجميع؟
أم أن الحكمة تقتضي الإنصات الآن، قبل أن يتحول الاحتجاج الصامت إلى صرخة جماعية يصعب احتواؤها؟


