حين ابتعد الإنسان عن الغابة… اقتربت منها النيران ..غابة دار الشاوي و المنزلة نموذجا!؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
غابة دار الشاوي تقدم مفارقة تستحق التفكير: حماية الغابة لا تعني عزلها عن الإنسان، بل إشراكه في حمايتها وتنميتها.
أنا ابن مدشر المنزلة ابا عن جد . لم أتعرف على غابة المنزلة و غابة دار الشاوي من الخرائط، ولا من الصور الجوية، ولا من التقارير الإدارية، بل من رائحة ترابها بعد أول مطر، ومن ظلال أشجار البلوط، ومن مسالك حفرتها أقدام الناس جيلا بعد جيل. لذلك أكتب اليوم بذاكرة طفل ويافع كان يقضي عطلة الصيف بين أشجارها، لا بذاكرة أرشيف. ولعل ما يوجعني اليوم ليس فقط رؤية الأشجار تحترق، بل رؤية العلاقة التاريخية بين الإنسان والغابة وهي تحترق معها.
إلى حدود بداية الألفية الثالثة، لم أسمع، وأنا ابن هذه المنطقة، عن حريق كبير اجتاح هذا المجال الغابوي الممتد على آلاف الهكتارات. لم تكن الغابة مهجورة، بل كانت تنبض بالحياة. الرجال يجمعون الحطب ويشقون المسالك، والنساء يحملن ما جادت به الغابة وهن يرددن الأغاني الجبلية، والرعاة يخففون كثافة الأعشاب، والنحالون يعتنون بخلاياهم، والفلاحون يزرعون “الغراسي” حول عيون الماء. كان الإنسان يعيش من الغابة، لكنه كان يحرسها في الوقت نفسه.
ثم تغير المشهد.
ومع التحديد الإداري للمجال الغابوي، وتراجع الأنشطة التقليدية، واتساع مجالات القنص، وضعف جسور الثقة بين المؤسسات والساكنة، بدأ الإنسان يبتعد عن مجاله الطبيعي. وتحولت العلاقة، في نظر كثيرين، من شراكة تاريخية إلى علاقة يغلب عليها المنع والمخالفة والغرامة.
ومع رحيل الإنسان، رحلت معه أقدامه التي كانت تعبر الغابة كل صباح. أغلقت المسالك، واختفى الرعي المنظم، وتراجعت تربية النحل، وغابت الزراعة التقليدية، وتراكمت الأعشاب اليابسة حتى أصبحت الغابة، خصوصا في منطقة تعرف بقوة رياح الشرقي مثل غابة المنزلة ودار الشاوي، تنتظر شرارة صغيرة لتحول الأخضر إلى رماد.
إن حماية الغابة لا تكون بعزلها داخل قبة حديدية من القوانين وحدها، بل بإعادة الإنسان إليها شريكا في حمايتها، عبر التأطير والتوعية، ودعم التعاونيات، وتثمين المنتجات المجالية، وتشجيع تربية النحل والرعي المنظم، وتأهيل المسالك، وإشراك أبناء الدواوير المجاورة في الحراسة والتدبير على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص، مع تعزيز الشفافية والمساءلة في تدبير جمعيات القنص حتى تظل التنمية المستدامة جزءا من مسؤوليتها، لا مجرد بند في دفتر التحملات.
فالدواوير المحيطة بالغابة لم تولد بالأمس، بل استقر بها الإنسان منذ قرون، وبعضها يعود إلى ما قبل سقوط الأندلس. وحماية الغابة لا تعني إبعاد الإنسان عن مجاله الطبيعي، وإنما إعادة بناء علاقة متوازنة تحفظ الطبيعة وتحفظ الإنسان في آن واحد.
لسنا نطالب باستنزاف الغابة، بل نطالب بأن يعود الإنسان شريكا في حمايتها، لأن التجربة علمتنا أن الغابة التي يعيش فيها الإنسان الواعي والمسؤول، تكون أكثر أمنا من الغابة التي تترك للعزلة والأعشاب اليابسة وانتظار أول شرارة.
الحريق لا يبدأ يوم تشتعل النار، بل يبدأ يوم تغلق آخر مسلك، ويغادر آخر راع، وتتوقف آخر خلية نحل، ويختفي آخر إنسان كان يمر بالغابة كل صباح.
فالطائرات قد تطفئ النار، لكنها لا تُطفئ أسبابها. أما الوقاية الحقيقية، فهي إنسان بقي مرتبطا بأرضه وغابته.



