البورصة الانتخابية… أسهم تصعد وأخرى تهبط قبل افتتاح صناديق الاقتراع
بقلم: الحداد حسن المنزلي
بين الميركاتو والبورصة… تختلط الرموز الحزبية بالأسهم، بينما تظل حصيلة البرلمانيين خارج التداول.
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يخيل إليك أن البلاد تستعد لافتتاح بورصة جديدة، لا لعرس ديمقراطي.
لا مناظرات حقيقية.
لا ندوات تناقش حصيلة خمس سنوات.
لا لقاءات مفتوحة يسأل فيها المواطن من انتخبهم: ماذا أنجزتم؟
ولا تقارير مبسطة تعرض للرأي العام عدد الأسئلة الشفوية، والمداخلات، ومقترحات القوانين، والتعديلات داخل اللجان، أو المبادرات التي قام بها البرلمانيون دفاعا عن قضايا الوطن في المحافل البرلمانية الدولية.
كل ذلك مؤجل…
أما المستعجل، فهو معرفة وكيل اللائحة.
وهنا يبدأ موسم الهجرة السياسية.
ليس هجرة الطيور، بل هجرة المرشحين.
مشهد يتكرر كل خمس سنوات حتى أصبح من التراث الانتخابي غير المصنف.
هذا يغادر حزبه بعد أن اكتشف، فجأة، أن ضميره السياسي كان يسكن العنوان الخطأ.
وذاك يلتحق بحزب آخر بعدما اقتنع، بين ليلة وضحاها، أن المبادئ نفسها أصبحت أجمل إذا كتبت بلون مختلف.
أما المواطن، فيقف حائرا، يحاول فقط أن يتذكر: أليس هذا هو الشخص نفسه الذي كان، قبل أشهر، يشرح لنا بكل حماس أن الحزب الذي يدافع عنه اليوم لا يصلح حتى لإدارة جمعية للحي؟
ثم تأتي المفاجأة الكبرى…
أسماء تهبط بالمظلات على رأس اللوائح، بينما يكتشف مناضلون قضوا سنوات في الاجتماعات والأنشطة أن مكانهم محفوظ… لكن في آخر الصف، حتى لا يفسدوا الصورة التذكارية للعائلة السياسية الجديدة.
وعند هذه النقطة، يتبين أن الحديث لم يعد عن “ميركاتو” انتخابي فقط.
بل عن بورصة انتخابية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
أسهم ترتفع بلا بيانات.
وأسهم تنهار بلا تفسير.
ومؤشرات تتقلب بسرعة تفوق نشرات الطقس.
والمستثمر الوحيد الذي لا تصله أي معلومة هو المواطن، مع أنه المساهم الأكبر في هذه الشركة المسماة “الانتخابات”.
لكن البورصة نفسها لا تلبث أن تتحول إلى معرض للرموز.
جرار…
سنبلة…
حصان…
وردة…
ميزان…
كتاب…
رسالة…
مصباح…فيل ….نحلة ….جمل …سيارة…سفينة….تفاحة…
ثم يبلغ المشهد ذروة العبث عندما تكتشف أن الحصان صار جرارا، والجرار أصبح سنبلة، والحمامة استعارت الجرار، والوردة جلست فوق الميزان، والميزان تحول إلى غزالة، والكتاب صار فيلا، والنحلة تفاحة، والجمل جرّب السفينة ثم السيارة، أما الرسالة… فما زالت تبحث عن عنوانها.
عندها لا يعود الناخب في حاجة إلى برنامج انتخابي، بل إلى مترجم فوري يفك شيفرة الرموز، لأن المرشح يغيّر الحزب، والحزب يغيّر الرمز، والناخب وحده مطالب بأن يتذكر كل شيء.
وسط هذا العرض الكوميدي، يغيب السؤال الوحيد الذي يستحق أن يكون عنوان الحملة الانتخابية:
ماذا سيجد المواطن إذا فتح سجل أعمال ممثليه خلال خمس سنوات؟
كم قضية حملوها إلى قبة البرلمان؟
كم مبادرة دافعوا عنها؟
كم مشروعا تابعوه حتى خرج إلى الواقع؟
وكم مرة تذكروا أن وراء أصوات الناخبين مدنا تنتظر الحلول، لا الشعارات؟
الديمقراطية لا تقاس بسرعة انتقال المرشحين بين الأحزاب، ولا بعدد الألوان التي يغيرونها، بل بما يتركونه من أثر بعد انتهاء الولاية.
أما إذا أصبح الخبر السياسي الأهم هو: من غادر؟ ومن التحق؟ ومن حجز المقعد الأول في اللائحة؟ فذلك يعني أن الحملة الانتخابية لم تعد منافسة بين البرامج، بل موسم انتقالات رسمي، يتابعه المواطن كما يتابع أخبار اللاعبين… مع فارق صغير فقط: اللاعب يوقّع عقدا، أما الناخب فيوقّع على خمس سنوات كاملة.
والفرق الوحيد…
أن البورصة تعلن أرباحها وخسائرها كل يوم، أما البورصة الانتخابية فلا تكشف حساباتها إلا بعد خمس سنوات… وعندها يكون الناخبون قد دفعوا الثمن كاملا.
خاتمة
أقترح، قبل فتح مكاتب التصويت، أن يُفتتح عند باب كل مكتب متحف صغير للمرشحين، تُعلَّق فيه صورهم القديمة تحت جميع الرموز الحزبية التي مروا بها. هكذا يدخل الناخب مطمئنا… فإذا رأى المرشح تحت ثلاثة أو أربعة شعارات، عرف أن ذاكرته بخير، وأن الذي كان كثير الترحال هو المرشح، لا الناخب.
وربما، بعد بضع دورات انتخابية، يصبح هذا المتحف أكثر استقرارا من بعض الأحزاب نفسها.



