مغرب المستقبل: من تدبير الصراعات إلى بناء دولة الديمقراطية وسيادة القانون
بقلم: أحمد العمراني
ناشط حقوقي وباحث في القانون والعلوم الإدارية والتنمية
يحتاج المغرب اليوم إلى الانتقال من مرحلة تدبير الخلافات والصراعات الشخصية إلى مرحلة التنافس الحقيقي حول البرامج والمشاريع والأفكار. فمغرب المستقبل لا يمكن أن يُبنى بالشعارات أو بتبادل الاتهامات، وإنما ببرنامج سياسي واضح، قابل للتنفيذ، يضع المواطن والمصلحة العليا للوطن في صلب السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي برنامج انتخابي جاد ينبغي أن يجيب بوضوح عن سؤال أساسي: أي مغرب نريد أن نبني للأجيال القادمة؟
نحو مغرب يمر إلى الديمقراطية وسيادة القانون
إن الانتقال الديمقراطي الحقيقي يقتضي، في تقديري، تنزيل حزمة من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، من أبرزها:
1. تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد
إخراج قانون فعّال يتعلق بالإثراء غير المشروع.
تعزيز الشفافية وحماية المال العام ومكافحة الفساد.
اعتماد إطار قانوني واضح وفعّال بشأن تضارب المصالح.
الانتقال التدريجي من منطق الريع والامتيازات إلى منطق التعاقد والمنافسة وتكافؤ الفرص.
تعزيز الحكامة والحد من الامتيازات غير المبررة.
إصلاح منظومة التعيين في المناصب السامية ومناصب المسؤولية، على أساس الكفاءة والاستحقاق والشفافية.
2. اقتصاد يخدم المواطن ويحمي قدرته الشرائية
من القضايا التي تستدعي معالجة جادة أسعار المحروقات والمواد الأساسية، من خلال وضع آليات تضمن ارتباط الأسعار بالسوق العالمية، مع اعتماد هوامش ربح معقولة وتسقيف أسعار المواد الأساسية بما يحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
كما ينبغي التفكير في سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر إنصافًا، تجعل النمو الاقتصادي محسوسًا في حياة المواطنين، وليس مجرد مؤشرات وأرقام.
3. جهات وجماعات ترابية أكثر قوة وفعالية
لا يمكن بناء مغرب المستقبل دون جهوية متقدمة حقيقية، عبر:
تطوير وتوسيع اختصاصات الجهات والجماعات الترابية.
نقل مزيد من الصلاحيات والموارد إلى المستوى الترابي.
تطوير وتوسيع اللاتمركز الإداري.
ربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.
تسريع تنزيل الإصلاحات المرتبطة بالنموذج التنموي.
فاللامركزية واللاتمركز ليسا مجرد مفاهيم إدارية، بل مدخلان أساسيان لتحقيق تنمية متوازنة وتقريب القرار من المواطن.
التعليم هو المعركة الكبرى
إذا كان المغرب يريد بناء اقتصاد ومجتمع قويين، فإن إصلاح التعليم يجب أن يكون في مقدمة الأولويات الوطنية.
المطلوب ليس فقط إصلاح المناهج أو البنيات، بل بناء مسار تعليمي يضمن أن أغلب الأطفال الذين يلتحقون بالسنة الأولى ابتدائي يتمكنون من الوصول إلى البكالوريا، بدل استمرار الهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة.
والهدف الطموح ينبغي أن يكون رفع نسبة الانتقال من التعليم الابتدائي إلى الحصول على البكالوريا إلى مستويات مرتفعة، في أفق بلوغ 80%، مع معالجة أسباب الهدر المدرسي منذ السنوات الأولى.
الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل
لا يمكن الحديث عن مغرب المستقبل في ظل وجود ملايين الشباب الذين يوجدون خارج منظومات التعليم والتكوين والعمل، المعروفين دوليًا بفئة NEET.
وهنا تبرز الحاجة إلى برنامج وطني واسع لتكوين وتأهيل وإدماج نحو 3 ملايين شاب ممن لا يتوفرون على مؤهل تعليمي أو مهني، وذلك من خلال:
تكوينات مهنية قصيرة وفعالة.
تأهيل رقمي وتقني.
مواكبة نفسية واجتماعية ومهنية.
تسهيل الولوج إلى سوق الشغل.
دعم المبادرة والمقاولة الذاتية.
خلق مسارات حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
فالشاب الذي لا يجد مكانه في المدرسة أو التكوين أو سوق الشغل ليس رقمًا في الإحصائيات، وإنما هو طاقـة وطنية مهدرة يجب تحويلها إلى قوة منتجة.
أجر يحفظ الكرامة
ومن بين المقترحات التي تستحق النقاش المجتمعي والسياسي اعتماد حد أدنى صافٍ للأجر في حدود 5000 درهم شهريًا، مع تعزيز الحماية الاجتماعية والتقاعد والتغطية الصحية بما يضمن حياة كريمة للعامل.
كما يمكن التفكير في إعفاء ضريبي كامل للأجور التي تقل عن 7000 درهم، مع توحيد الحماية الاجتماعية لتشمل مختلف الفئات، سواء في المهن الفلاحية أو التقليدية أو خدمات الأمن الخاص والنظافة وغيرها.
وفي المقابل، ينبغي أن تكون هناك رقابة صارمة على احترام الحد الأدنى للأجور وحقوق العمال، مع عقوبات مالية وإدارية وجنائية رادعة ضد المخالفين، وفق ما يحدده القانون وبعد ضمان شروط المحاكمة العادلة.
الانتخابات ليست صراعًا بين الأشخاص
إن جوهر العملية الانتخابية ليس أن يتصارع الأشخاص فيما بينهم لإثبات من هو الأكثر كفاءة أو من يمتلك نفوذًا أكبر، وإنما أن يقدم كل حزب وكل فاعل سياسي برنامجًا واضحًا ومحددًا وقابلًا للمساءلة.
المواطن المغربي لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات الشخصية، ولا إلى خطابات سياسية فارغة، وإنما يحتاج إلى إجابات واضحة:
كيف سنصلح التعليم؟
كيف سنحارب الفساد؟
كيف سنحمي المال العام؟
كيف سنخلق فرص الشغل؟
كيف سنرفع القدرة الشرائية؟
كيف سنُدعم الجهات والجماعات؟
كيف سنُدمج الشباب؟
وكيف سنبني دولة المؤسسات وسيادة القانون؟
إن الحزب أو الفاعل السياسي الذي يتبنى برنامجًا واضحًا يخدم المواطن والدولة ومستقبل الوطن، ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة، سيكون أقرب إلى ممارسة السياسة بمعناها الحقيقي.
أما تحويل الحياة السياسية إلى صراعات شخصية، وتبادل الاتهامات، وتمجيد الأشخاص، ومحاولة إقناع المواطنين بأن بعض السياسيين يمتلكون كفاءات استثنائية بينما الواقع لا يثبت ذلك، فهو في النهاية مضيعة للزمن التنموي للمغرب.
التحدي الحقيقي
التحدي اليوم هو أن يخرج كل فاعل سياسي، إذا كان فعلًا فاعلًا سياسيًا، ببرنامج انتخابي واضح ومكتوب ومحدد الأولويات والآجال والموارد المالية اللازمة لتنفيذه.
نريد أن نعرف ماذا سيقدم كل حزب للمواطن، وكيف سيحقق وعوده، وما هي آليات محاسبته إذا أخفق.
فـمغرب المستقبل لا يحتاج إلى المهرجين ولا إلى الأبواق الفارغة، وإنما يحتاج إلى رجال ونساء دولة، وإلى كفاءات حقيقية، وإلى مؤسسات قوية، وإلى أحزاب تتنافس بالبرامج والأفكار والإنجازات.
إن الانتقال إلى مغرب ديمقراطي قوي، تسوده دولة القانون والمؤسسات، وتحكمه الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص، ليس ترفًا سياسيًا، بل هو مشروع وطني للأجيال القادمة.
فالمطلوب اليوم ليس أن نسأل: من سيحكم؟
بل أن نسأل أولًا: بأي برنامج سيُحكم المغرب؟ وإلى أي مغرب نريد أن نصل؟


