حين أغلقت مالقا شواطئها حماية للصحة… هل الضفة الجنوبية للمتوسط مستعدة للتحديات نفسها؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
إغلاق مؤقت لشواطئ مالقة بعد رصد بكتيريا الإشريكية القولونية يعيد طرح أسئلة المراقبة البيئية، والحق في المعلومة، وجاهزية دول جنوب المتوسط لحماية صحة المصطافين وضمان سياحة مستدامة.
لم يكن قرار السلطات الإسبانية إغلاق عدد من شواطئ مالقة سوى تطبيق صارم لمبدأ الوقاية. فقد أظهرت التحاليل المخبرية ارتفاع تركيز بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) فوق الحد القانوني، فرفعت الرايات الحمراء ومنعت السباحة مؤقتا، قبل إعادة فتح الشواطئ مباشرة بعد تأكيد عودة المياه إلى مستويات السلامة. رسالة واضحة مفادها أن صحة الإنسان لا تقبل المجازفة، حتى في ذروة الموسم السياحي.
وتشير المعطيات التقنية إلى أن التلوث ارتبط بتوافد كثيف للمصطافين، وضعف تجدد المياه داخل بعض الخلجان، مع استمرار التحقيق في احتمال وجود ضغط على شبكات التطهير. كما يحذر الخبراء من أن ارتفاع حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط بفعل التغيرات المناخية أصبح يهيئ ظروفا أكثر ملاءمة لتكاثر البكتيريا والكائنات الدقيقة الممرضة.
وتكمن أهمية التجربة الإسبانية في سرعة الاستجابة والشفافية؛ إذ تعتمد السلطات مراقبة مخبرية دورية، وتتخذ القرار فور تسجيل أي تجاوز للمعايير، مع إبلاغ المواطنين والسياح بسبب الإغلاق وموعد إعادة فتح الشواطئ. هذه المقاربة تحمي الصحة العامة وتحافظ في الوقت نفسه على الثقة في الوجهة السياحية.
وفي المقابل، يفرض هذا الحدث سؤالا مشروعا على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط:
هل تمتلك المدن الساحلية بالقدر نفسه منظومات للرصد المبكر، والتحاليل المنتظمة، والإعلان الفوري عن نتائج مراقبة جودة مياه السباحة؟
وهل يحصل المواطن على حقه الكامل في المعلومة عندما يتعلق الأمر بسلامته الصحية؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع التوسع العمراني الساحلي، والضغط الكبير الذي تعرفه الشواطئ خلال فصل الصيف، وما قد يرافقه من ضغط على شبكات التطهير السائل، أو تصريف غير مراقب للمياه العادمة، أو تلوث ناتج عن الأنشطة البشرية، وهي عوامل تستوجب يقظة بيئية مستمرة لا موسمية.
وحتى في غياب التحاليل، تبقى بعض المؤشرات الميدانية جديرة بالانتباه، مثل تغير لون المياه، أو الروائح غير الطبيعية، أو الرغوة الكثيفة، أو العكارة الشديدة، أو وجود مصبات للأودية ومجاري الصرف بالقرب من مناطق السباحة.
غير أن هذه الملاحظات لا يمكن أن تكون بديلا عن المراقبة العلمية، بل مجرد إشارات تستوجب تدخل المختبرات والجهات المختصة.
إن سلامة مياه الشواطئ ليست شأنا بيئيا فحسب، بل قضية صحة عامة، وعنصرا أساسيا في تنافسية الوجهات السياحية. فالسائح يبحث عن الثقة قبل البحث عن البحر، ولا يمكن بناء سياحة مستدامة دون منظومة رقابة شفافة، وتحاليل دورية، وحق مكفول في الوصول إلى المعلومة.
لقد أثبتت التجربة الإسبانية أن إغلاق الشاطئ عند الضرورة ليس إعلانا عن الفشل، بل دليل على يقظة المؤسسات واحترامها لصحة الإنسان. أما الرهان الحقيقي في الضفة الجنوبية للمتوسط، فهو الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الخطر إلى ثقافة الوقاية، حيث تصبح المراقبة العلمية والشفافية والحق في المعلومة ركائز ثابتة لحماية الإنسان والبيئة والسياحة في آن واحد.



