تقنين الكيف… هل يقود إلى التنمية أم يكشف اختلالات نموذج جديد؟
بقلم : أ .النية
بعد سنوات من التقنين، تتزايد الأسئلة حول أثره في الموارد المائية، والعقار، ووضعية الفلاح الصغير… فهل تحققت التنمية الموعودة، أم تغير شكل الأزمة فقط؟
منذ إطلاق ورش تقنين زراعة الكيف، رُفع شعار تحويل نشاط ظل لعقود خارج المنظومة القانونية إلى رافعة للتنمية المحلية، تحمي الفلاح، وتجذب الاستثمار، وتخلق قيمة مضافة للمنطقة. غير أن السنوات الأولى من التجربة أفرزت نقاشا متزايدا حول مدى تحقق هذه الأهداف على أرض الواقع.
في عدد من مناطق الريف، تبدو زراعة الكيف اليوم النشاط الأكثر حضورا. تمتد الحقول على مساحات واسعة، بينما تتراجع الزراعات المعيشية، ويصبح السوق الأسبوعي المصدر الرئيسي للخضر والفواكه القادمة من مناطق أخرى. إنها مفارقة تطرح سؤالا بسيطا: هل أصبح الإنتاج موجها لمحصول واحد على حساب الأمن الغذائي المحلي؟
وفي المقابل، تتزايد المخاوف المرتبطة بالضغط على الموارد الطبيعية. فالاعتماد المكثف على الآبار العميقة، وما يثار بشأن حالات الربط غير المشروع بشبكات الماء والكهرباء لتشغيل المضخات أو تجهيزات مرتبطة بالإنتاج، يطرح تحديات تمس الأمن المائي والطاقي، وتتطلب تطبيقا صارما للقانون وحماية لحقوق الساكنة في الخدمات الأساسية.
ولا تتوقف التساؤلات عند الموارد الطبيعية، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي. فمع دخول مستثمرين جدد إلى القطاع، تبرز مخاوف بشأن مستقبل الفلاح الصغير، وارتفاع الطلب على العقار، ومدى استفادة الساكنة المحلية من القيمة الاقتصادية التي يفترض أن يخلقها التقنين.
المفارقة أن المشروع الذي قدم باعتباره مدخلا للتنمية المستدامة، لا يزال يقاس في نظر كثيرين بحجم المساحات المزروعة، بينما يبقى المعيار الحقيقي هو جودة حياة السكان، وحماية المياه، وصون الأراضي، وتنويع الاقتصاد المحلي، وخلق فرص شغل خارج دائرة الاعتماد على محصول واحد.
إن نجاح تقنين الكيف لن يتحقق بمجرد إدماج النشاط في الإطار القانوني، بل بقدرته على تحقيق توازن حقيقي بين الاستثمار وحماية الموارد الطبيعية، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة المجالية. فالتنمية لا تقاس بما يزرع في الأرض فقط، بل بما يبقى للأجيال القادمة من ماء، وأرض، وفرص عيش كريمة.



